يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون
قوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام الآية.
"الصيام": مصدر من صام، كالقيام من قام، الإمساك عن الشيء والترك له، ومنه قيل للصمت: صوم. وأصله في اللغة:
لأنه إمساك عن الكلام، قال الله تعالى: إني نذرت للرحمن صوما ، وصام النهار: إذا قام قائم الظهيرة.
وصامت الريح: إذا ركدت.
وصام الفرس: إذا قام على غير إعلاف، هذا أصله في اللغة.
هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع مع اقتران النية به. وفي الشريعة:
وإجماع المفسرين على أن المراد بهذا الصيام: وكان الفرض في ابتداء الإسلام هو صوم يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، فنسخ ذلك بصيام رمضان، قبل قتال بدر بشهرين. صيام شهر رمضان،
وقوله: كما كتب على الذين من قبلكم أي: كما فرض على الأمم من أهل الكتابين قبلكم، أي: أنتم متعبدون بالصيام كما تعبد الذين كانوا من قبلكم.
وقوله: لعلكم تتقون قال كي تتقوا الأكل والشرب والجماع وقت وجوب الصوم. السدي:
وقال لتتقوا المعاصي، فإن الصيام وصلة إلى التقى ؛ لأنه يكف الإنسان عن كثير مما تطمع إليه النفس من المعاصي. الزجاج:
[ ص: 273 ] وقوله: أياما معدودات قال "أياما": ظرف لكتب، كأنه قال: كتب عليكم الصيام في هذه الأيام. الزجاج:
وقال هي نصب على خبر ما لم يسم فاعله، وهو قوله: كتب كما تقول: أعطى عبد الله المال. الفراء:
وأراد (بالأيام المعدودات ): أيام رمضان.
وقوله: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة أي: فأفطر فعدة، أي: فعليه عدة ما أفطر، من أيام أخر سوى أيام مرضه وسفره، و "العدة": فعلة، من العد، وهي بمعنى المعدودة كالطحن بمعنى المطحون.
والمرض الذي يبيح الإفطار هو كل مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علته زيادة لا يحتملها.
وحد السفر الذي يبيح الإفطار: ستة عشر فرسخا فصاعدا، فمن أفطر فبرخصة الله أخذ، ومن صام ففرضه أدى. والإفطار: رخصة من الله عز وجل للمسافر،
أخبرنا وحدثنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، حدثنا محمد بن يعقوب، قال: قرئ على بحر بن نصر، ابن وهب: أخبرك عمرو بن الحارث، عن أبي الأسود، عن عن عروة بن الزبير، أبي مراوح، حمزة بن عمرو أنه قال:
[ ص: 274 ] يا رسول الله، فهل علي جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" أجد بي قوة على الصيام في السفر، ، رواه عن عن مسلم، أبي الطاهر، عن ابن وهب.
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أخبرنا أبو عمرو محمد بن جعفر بن مطر، حدثنا عبدان، حدثنا الحسين بن محمد الذارع، أخبرنا أبو محسن حصين بن نسير، حدثنا عن هشام بن حسان، عكرمة، عن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن عباس "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" قوله: وعلى الذين يطيقونه أي: يطيقون الصيام، يقال: أطاق يطيق إطاقة وطاقة.
كما يقال: أطاع يطيع إطاعة وطاعة.
والطاقة والطاعة: اسمان يوضعان موضع المصدر.
وقوله: فدية طعام مسكين هذه قراءة أهل المدينة والشام، والمعنى: وعلى الذين يطيقونه فأفطروا فدية طعام.
و "الفدية": البدل، وقد مر ذكره، وأضيفت الفدية إلى الطعام لأنها اسم للقدر الواجب، والطعام: اسم يعم [ ص: 275 ] الفدية وغيرها، فهذا كقولك: ثوب خز وخاتم حديد.
وجمعوا المساكين لأن الذين يطيقونه فأفطروا جماعة، وكل واحد منهم يلزمه طعام مسكين.
وقرأ الباقون فدية منونة طعام مسكين على واحد، جعلوا ما بعد الفدية تفسيرا لها، ووحدوا المسكين لأن المعنى: على كل واحد لكل يوم طعام مسكين، ومثل هذا قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ، وليس جميع القاذفين يفرق فيهم جلد ثمانين، إنما على كل واحد منهم ذلك.
وقال يقال: أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة، وأعطانا كلنا مائة. أبو زيد:
معناه: كسا كل واحد منا حلة، وأعطى كل واحد منا مائة.
فأما حكم الآية فقال والمفسرون: كان في ابتداء إيجاب الصوم: من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بالطعام وهو من واحد، ثم نسخ الله تعالى ذلك بقوله: ابن عباس فمن شهد منكم الشهر فليصمه .
وقوله: فمن تطوع خيرا فهو خير له قال زاد في الصدقة على الواحد، ابن عباس: وأن تصوموا خير لكم أي: الصوم خير لكم من الإفطار والفدية، وهذا إنما كان خيرا لهم قبل النسخ، وبعد النسخ لا يجوز، أي يقال: الصوم خير من الإفطار والفدية.
وقوله: شهر رمضان قال ارتفع على البدل من "الصيام"، كأن المعنى: كتب عليكم شهر رمضان، وقال الفراء: ارتفع على أنه خبر ابتداء محذوف، والمعنى: هي شهر رمضان ؛ لأن قوله: شهر رمضان تفسير للأيام المعدودات. الأخفش:
و "رمضان" لا يتصرف للتعريف وزيادة الألف والنون، مثل عثمان وسعدان، واختلفوا في اشتقاقه فقال قوم: هو [ ص: 276 ] مأخوذ من الرمض، وهو حر الحجارة من شدة حر الشمس، والاسم: الرمضاء، والأرض رمضة، وسمي هذا الشهر رمضان لأن وجوب صومه وافق شدة الحر.
وهذا القول حكاه عن الأصمعي، أبي عمرو.
ويحكى عن أنه قال: مأخذه من الرمضى، وهو من السحاب والمطر ما كان في آخر القيظ وأول الخريف، وسمي هذا الشهر رمضان لأنه يغسل الأبدان من الآثام. الخليل،
أخبرنا أبو سعد عبد الرحمن بن محمد النضروي، أخبرنا إبراهيم بن أحمد بن رجاء، أخبرنا الحسن بن محمد بن شعبة الأنصاري، حدثنا عبد الله بن شبيب المكي، حدثنا حدثنا إسحاق بن محمد الفروي، عن يزيد بن عبد الملك، عن صفوان بن سليم، عطاء بن يسار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبي سعيد الخدري "شهر رمضان سيد الشهور، وأعظمها حرمة ذو الحجة". عن
وأخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك القطيعي، حدثنا حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، عمرو بن حمزة القيسي، حدثنا خلف أبو الربيع، أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما حضره شهر رمضان، قال:". أنس بن مالك:
[ ص: 277 ] سبحان الله، ماذا تستقبلون وماذا يستقبلكم؟، قالها ثلاثا، فقال يا رسول الله، وحي نزل، أو عدو حضر؟ قال: لا، ولكن عمر بن الخطاب: الله يغفر في أول ليلة من رمضان لكل أهل هذه القبلة". عن