ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين
ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون بموسى صلى الله عليه وسلم حتى ازدروه ، كما ازدرى أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ولد فيهم فازدروه ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم فتنة لهم ، كما كان موسى صلى الله عليه وسلم فتنة لفرعون وقومه ، فقالت قريش : أنت أضعفنا وأقلنا حيلة ، فهذا حين ازدروه ، كما ازدروا موسى ، عليه السلام ، حين قالوا : ألم نربك فينا وليدا ، فكانت فتنة لهم ، من أجل ذلك ذكر فرعون دون الأمم ، نظيرها في المزمل : إنا أرسلنا إليكم رسولا .
قوله : ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون كما فتنا قريشا بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهما ولدا في قومهما ، وجاءهم رسول كريم ، يعني الخلق ، كان يتجاوز ويصفح ، [ ص: 204 ] يعني موسى حين سأل ربه أن يكشف عن أهل مصر الجراد والقمل.
فقال موسى لفرعون : أن أدوا إلي عباد الله ، يعني أرسلوا معي بني إسرائيل ، يقول : وخل سبيلهم ، فإنهم أحرار ولا تستعبدهم ، إني لكم رسول من الله ، أمين فيما بيني وبين ربكم.
وأن لا تعلوا على الله ، يعني لا تعظموا على الله أن توحدوه ، إني آتيكم بسلطان مبين ، يعني حجة بينة ، كقوله : ألا تعلوا على الله ، يقول : ألا تعظموا على الله ، إني آتيكم بسلطان مبين ، يعني حجة بينة ، وهي اليد والعصا ، فكذبوه ، فقال فرعون في حم المؤمن : ذروني أقتل موسى . فاستعاذ موسى ، فقال : وإني عذت بربي وربكم ، يعني فرعون وحده ، أن ترجمون ، يعني أن تقتلون.
وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ، يقول : وإن لم تصدقوني ، يعني فرعون وحده ، فاعتزلون ، فدعا موسى ربه في يونس ، فقال : ونجنا برحمتك من القوم الكافرين ، يعني نجني وبني إسرائيل ، وأرسل العذاب على أهل مصر.
قوله تعالى : فدعا ربه أن هؤلاء ، يعني أهل مصر ، قوم مجرمون ، فلا يؤمنون ، فاستجاب الله له.
فأوحى الله تعالى إليه : فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون ، يقول : يتبعكم فرعون وقومه.
واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون ، وذلك أن بني إسرائيل لما قطعوا البحر ، قالوا لموسى صلى الله عليه وسلم : فرق لنا البحر كما كان ، فإننا نخشى أن يقطع فرعون وقومه آثارنا ، فأراد موسى ، عليه السلام ، أن يفعل ذلك ، كان الله تعالى أوحى إلى البحر أن يطيع موسى ، عليه السلام ، فقال الله لموسى : واترك البحر رهوا ، يعني صفوفا ، ويقال : ساكنا ، إنهم ، إن فرعون وقومه جند مغرقون ، فأغرقهم الله في نهر مصر ، وكان عرضه يومئذ فرسخين.
فقال الله تعالى : كم تركوا من بعدهم ، يعني فرعون وقومه ، من جنات ، يعني بساتين ، وعيون ، يعني الأنهار الجارية.
[ ص: 205 ] وزروع ومقام كريم ، يعني ومساكن حسان.
ونعمة من العيش ، كانوا فيها فاكهين ، يعني أرض مصر معجبين.
كذلك ، يقول : هكذا فعلنا بهم في الخروج من مصر ، ثم قال : وأورثناها يعني أرض مصر ، قوما آخرين ، يعني بني إسرائيل ، فردهم الله إليها بعد الخروج منها.
ثم قال : فما بكت عليهم السماء والأرض ، وذلك أن المؤمن إذا مات بكى عليه معالم سجوده من الأرض ، ومصعد عمله من السماء أربعين يوما وليلة ، ويبكيان على الأنبياء ثمانين يوما وليلة ، ولا يبكيان على الكافر ، فذلك قوله : فما بكت عليهم السماء والأرض لأنهم لم يصلوا لله في الأرض ، ولا كانت لهم أعمال صالحة تصعد إلى السماء؛ لكفرهم ، وما كانوا منظرين ، لم يناظروا بعد الآيات التسع حتى عذبوا بالغرق.