الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين
[ ص: 212 ] ثم ذكرهم النعم ، فقال : الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه ، يقول : لكي تجري السفن في البحر ، بأمره ، يعني بإذنه ، ولتبتغوا ما في البحر ، من فضله ، يعني الرزق ، ولعلكم ، يعني ولكي ، تشكرون الله في هذه النعم فتوحدوه.
وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ، يعني من الله ، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون في صنع الله فيوحدونه.
قل للذين آمنوا يغفروا ، يعني يتجاوزوا ، نزلت في ، رضي الله عنه ، وذلك أن رجلا من كفار عمر بن الخطاب مكة شتم عمر بمكة ، فهم عمر أن يبطش به ، فأمره الله بالعفو والتجاوز ، فقال : قل للذين آمنوا ، يعني عمر ، يغفروا ، يعني يتجاوزوا ، للذين لا يرجون أيام الله ، يعني لا يخشون عقوبات الله مثل عذاب الأمم الخالية ، فمن عفا وأصلح فأجره على الله ، يقول : فجزاؤه على الله ، ثم نسخ العفو والتجاوز آية السيف في "براءة" : فاقتلوا المشركين ، قوله : ليجزي بالمغفرة ، قوما بما كانوا يكسبون ، يعني يعملون من الخير.
من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء العمل فعليها ، يقول : إساءته على نفسه ، ثم إلى ربكم ترجعون في الآخرة ، فيجزيكم بأعمالكم.
قوله : ولقد آتينا ، يعني أعطينا ، بني إسرائيل الكتاب ، يعني التوراة ، والحكم ، يعني الفهم الذي في التوراة والعلم ، والنبوة ، وذلك أنه كان فيهم ألف نبي ، أولهم موسى ، وآخرهم عيسى ، عليهم السلام ، ورزقناهم ، يعني الحلال من الرزق ، المن والسلوى ، من الطيبات وفضلناهم على العالمين ، يعني عالمي ذلك الزمان بما أعطاهم الله من التوراة فيها تفصيل كل شيء ، والمن والسلوى ، والحجر ، والغمام ، وعمودا كان يضيء لهم إذا ساروا بالليل ، وأنبت معهم ثيابهم لا تبلى ، ولا [ ص: 213 ] تخرق ، وظللنا عليهم الغمام ، وفضلناهم على العالمين في ذلك الزمان.
ثم قال : وآتيناهم آيات بينت واضحات ، من الأمر ، يعني أبين لهم في التوراة الحلال ، والحرام ، والسنة ، وبيان ما كان قبلهم ، ثم اختلفوا في الدين بعد يوشع بن نون ، فآمن بعضهم وكفر بعضهم ، فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ، يعني البيان ، بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ، يعني في الدين يختلفون.
قوله : ثم جعلناك على شريعة من الأمر ، يعني بينات من الأمر ، وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ارجع إلى ملة أبيك عبد الله ، وجدك عبد المطلب ، وسادة قومك ، فأنزل الله : ثم جعلناك على شريعة من الأمر ، يعني بينة من الأمر ، يعني الإسلام ، فاتبعها ، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : اتبع هذه الشريعة ، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون توحيد الله ، يعني كفار قريش ، فيستزلونك عن أمر الله.
قوله تعالى : إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين ، يوم القيامة ، يعني مشركي مكة ، بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين الشرك.