إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما
إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا فاصبر لحكم ربك يعني حتى يحكم الله بينك وبين أهل مكة ، ولا تشتم إذا شتمت، ولا تغتظ إذا ضربت ولا تطع منهم آثما أو كفورا وهو الوليد بن المغيرة بن هشام المخزومي ، قال: أو كفورا، أو هاهنا صلة، والكفور: هو عتبة بن ربيعة ، وذلك أنهم خلوا به في دار الندوة، وفيهم عمرو بن عمير بن مسعود الثقفي ، فقالوا: يا محمد، أخبرنا لم تركت دين آبائك وأجدادك ؟ فقال إن طلبت مالا أعطيتك نصف مالي على أن تدع مقالتك هذه، وقال [ ص: 433 ] الوليد بن المغيرة: أبو البحتري بن هشام: واللات والعزى إن ارتد عن دينه لأزوجنه ابنتي، فإنها أحسن النساء، وأجملهن جمالا، وأفصحهن قولا، وأبلغهن علما، وقد علمت العزى بذلك، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فلم يجبهم شيئا، فقال ابن مسعود الثقفي: ما لك لا تجيبنا إن كنت تخاف عذاب ربك وذمه أجرتك فضحك النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك، وقبض ثوبه وقام عنهم، وقال: أقوال وأضعف أعمال، فأنزل الله عز وجل إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا فيها تقديم، وتأخير ولا تطع منهم آثما أو كفورا يعني ، الوليد بن المغيرة وأبا البحتري بن هشام.
وقال في قول: عمرو بن عمير بن مسعود الثقفي قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ، يعني لا يؤمنني من عذابه أحد، ولن أجد من دونه مهربا، إلا بلاغا من الله ورسالاته . وأما قوله واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا يعني إذا صليت صلاة الغداة وهو بكرة، فكبر واشهد أن لا إله إلا هو، وأصيلا إذا أمسيت وصليت صلاة المغرب، فكبره واشهد أن لا إله إلا هو، فهو براءة من الشرك، فذلك قوله: واذكر اسم ربك بشهادة أن لا إله إلا هو، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الغداة، ثم يكبر ثلاثا، وإذا صلى المغرب كبر ثلاثا ومن الليل فاسجد له يعني صلاة العشاء الآخرة يقول: صل له قبل أن تنام وسبحه ليلا طويلا يعني وصل له بالليل، فتهجد به نافلة لك. وكان قيام الليل فريضة على النبي صلى الله عليه وسلم ،
ثم رجع إلى قوله عز وجل الأول: إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا فاصبر لحكم ربك ، فقال: إن هؤلاء الذين يأمرونك بالكفر يحبون العاجلة يعني الدنيا، لا يهمهم شيء إلا أمر الدنيا الذهب والفضة والبناء والثياب والدواب ويذرون وراءهم يعني أمامهم وكل شيء في القرآن وراءهم، يعني أمامهم يوما ثقيلا لأنها تثقل على الكافرين إذا حشروا وإذا وقفوا وإذا حاسبوهم، وإذا جازوا الصراط فهي مقدار ثلاث مائة سنة وأربعين سنة، فأما المؤمن، فإنه ييسر الله خروجه من قبره، وإذا حشره، وإذا حاسبه، وإذا جاز الصراط، فذلك قوله: يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير .
وأما قوله: نحن خلقناهم في بطون أمهاتهم وهم نطفة وشددنا أسرهم حين [ ص: 434 ] صاروا شبانا يعني أسرة الشباب، وما خلق الله شيئا أحسن من الشباب، منور الوجه أسود الشعر واللحية قوي البدن، وقال: وإذا شئنا بدلنا أمثالهم ذلك السواد والنور بالبياض والضعف تبديلا من السواد حتى لا يبقى شيء منه إلا البياض، فعلم الله عز وجل، فقال: إن هذه إن هذا السواد والحسن والقبح تذكرة يعني عبرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا يعني فمن شاء اتخذ في هذه التذكرة فيعتبر، فيشكر الله ويوحده، ويتخذ طريقا إلى الجنة، ثم رد المشيئة إليه، فقال: وما تشاءون أنتم أن تتخذوا إلى ربكم سبيلا إلا أن يشاء الله فهو عليكم عمل الجنة إن الله كان عليما يعني بأهل الجنة حكيما إذ حكم على أهل الشقاء النار.
ثم ذكر العلم والقضاء بأنه إليه، فقال: يدخل من يشاء في رحمته يعني في جنته والظالمين يعني المشركين أعد لهم عذابا أليما يعني وجيعا.
[ ص: 435 ]