الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فلا أقسم بالخنس  الجوار الكنس والليل إذا عسعس  والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم  ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون  ولقد رآه بالأفق المبين  وما هو على الغيب بضنين  وما هو بقول شيطان رجيم  فأين تذهبون  إن هو إلا ذكر للعالمين  لمن شاء منكم أن يستقيم  وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين  

ثم أقسم الرب تعالى، فقال: فلا أقسم يعني أقسم بالخنس وهي خمس من الكواكب، بهرام، والزهرة، وزحل، والبرجهس، يعني المشترى، وعطارد، والخنس التي خنست بالنهار فلا ترى، وظهرت بالليل فترى، قال: الجوار الكنس لأنهن يجرين في السماء الكنس، يعني تتوارى كما تتوارى الظباء في كناسهن والليل إذا عسعس يعني إذا أظلم والصبح إذا تنفس يعني إذا أضاء لونه فأقسم الله تعالى بهؤلاء الآيات أن هذا القرآن إنه لقول رسول كريم على الله، يعني جبريل ، عليه السلام، هو علم محمدا صلى الله عليه وسلم : ذي قوة يعني ذا بطش، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث قال إبليس: من لهذا النبي الذي خرج من أرض تهامة ؟ فقال شيطان، واسمه الأبيض، هو صاحب الأنبياء: أنا له، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فوجده في بيت الصفا، فلما انصرف قام الأبيض في صورة جبريل صلى الله عليه وسلم ليوحي إليه، فنزل جبريل ، عليه السلام، فقام وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فدفعه جبريل صلى الله عليه وسلم بيده دفعة هينة فوقع من مكة بأقصى الهند من فرقه. عند ذي العرش مكين جبريل ، عليه السلام، يقول: وهو وجيه عند الله عز وجل.

ثم قال: مطاع ثم يعني هنالك في السماوات، كقوله: وأزلفنا يعني قربنا ثم يعني هنالك، وكقوله: وإذا رأيت ثم يعني هنالك، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة عرج به إلى السماوات رأى إبراهيم صلى الله عليه وسلم وموسى ، عليها السلام،   [ ص: 457 ] فصافحوه وأداره جبريل على الملائكة في السماوات فاستبشروا به، وصافحوه، ورأى مالكا خازن النار، فلم يكلمه ولم يسلم عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل ، عليه السلام: " من هذا " ؟ قال: هذا مالك خازن جهنم لم يتكلم قط، وهؤلاء النفر معه، فخزنة جهنم نزعت منهم الرأفة والرحمة، وألقي عليهم العبوس، والغضب على أهل جهنم، أما إنهم لو كلموا أحدا منذ خلقوا لكلموك لكرامتك على الله عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " قل له فليكشف عن باب منها "، فكشف عن مثل منخر الثور منها، فتخلخلت فجاءت بأمر عظيم، حسبت أنها الساعة حتى أهيل منها النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لجبريل : " مره فليردها "، فأمره جبريل ، صلى الله عليه، فأطاعه مالك، عليه السلام، فردها، فذلك قوله: مطاع ثم أمين يسمى أمينا لما استودعه عز وجل من أمره في خلقه.

وما صاحبكم بمجنون يعني النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن كفار مكة قالوا: إن محمدا مجنون، وإنما تقوله من تلقاء نفسه، ولقد رآه بالأفق المبين يعني من قبل المطلع، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل ، عليه السلام، في صورته من قبل المشرق بجبال مكة ، قد ملأ الأفق رجلاه في الأرض، ورأسه في السماء، وجناح له من قبل المشرق، وجناح له من قبل المغرب، في صورة البشر، فقال: أنا جبريل ، وجعل يمسح عن وجهه، ويقول: أنا أخوك أنا جبريل ، حتى أفاق، فقال المؤمنون: ما رأيناك منذ بعثت أحسن منك اليوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أتاني جبريل ، عليه السلام، في صورته، فعلقني هذا من حسنه ".

وما هو على الغيب بضنين بظنين، يعني وما محمد صلى الله عليه وسلم على القرآن بمتهم، ومن قرأ بضنين يعني ببخيل، وما هو بقول شيطان رجيم يعني ملعون، وذلك أن كفار مكة ، قالوا: إنما يجيء به الري، وهو الشيطان، واسمه الري فيلقيه على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فيها تقديم، يقول لكفار مكة : فأين تذهبون يعني أين تعجلون عن كتابي وأمري لقولهم إن محمدا مجنون إن هو إلا ذكر للعالمين يعني ما في القرآن إلا تذكرة وتفكر للعالمين لمن شاء منكم يا أهل مكة أن يستقيم على الحق، ثم رد المشيئة إلى نفسه، فقال: وما تشاءون الاستقامة إلا أن يشاء الله رب العالمين . قوله: والليل إذا عسعس أظلم عن كل دابة، الخنافس، والحيات، والعقارب، والسباع، والوحوش.

[ ص: 458 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية