الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين  فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون  وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون  واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون  

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولا تعصوه، وذروا ، يعني واتقوا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين نزلت في أربعة إخوة من ثقيف: مسعود ، وحبيب ، وربيعة ، وعبد ياليل ، وهم بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، كانوا يداينون بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانوا يربون لثقيف، فلما أظهر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف، اشترطت ثقيف أن كل ربا لهم على الناس فهو لهم، وكل ربا للناس عليهم فهو موضوع عنهم، فطلبوا رباهم إلى بني المغيرة، فاختصموا إلى عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية ، كان النبي صلى الله عليه وسلم استعمله على مكة، وقال له: " أستعملك على أهل الله ".

وقالت بنو المغيرة: أجعلنا أشقى الناس بالربا وقد وضعه عن الناس؟ فقالت ثقيف: إنا صالحنا النبي صلى الله عليه وسلم أن لنا ربانا، فكتب عتاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بقصة الفريقين، فأنزل الله تبارك وتعالى بالمدينة، يا أيها الذين آمنوا ، يعني ثقيفا، اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا الآية; لأنه لم يبق غير رباهم، إن كنتم مؤمنين ، فأقروا بتحريمه، فإن لم تفعلوا وتقروا بتحريمه فأذنوا ، يعني فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله ، يعني الكفر، وإن تبتم من استحلال الربا وأقررتم بتحريمه، فلكم رءوس أموالكم التي أسلفتم لا تزدادوا، لا تظلمون أحدا إذا لم تزدادوا على أموالكم، ولا تظلمون فتنقصون من رءوس أموالكم.

فبعث النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية إلى عتاب بن أسيد بمكة، فأرسل عتاب إلى بني عمرو بن عمير، فقرأ عليهم الآية، فقالوا: بل نتوب إلى الله عز وجل، ونذر ما بقي من الربا، فإنه لا يدان لنا بحرب الله ورسوله، فطلبوا رءوس أموالهم إلى بني المغيرة، فاشتكوا العسرة، [ ص: 150 ] فقال الله عز وجل: وإن كان المطلوب ذو عسرة من القوم، يعني بني المغيرة فنظرة إلى ميسرة ، يقول: فأجله إلى غناه، كقوله سبحانه: أنظرني إلى يوم يبعثون ، يقول: أجلني، وأن تصدقوا به كله على بني المغيرة وهم معسرون، فلا تأخذونه، فهو خير لكم من أخذه، إن كنتم تعلمون ، واتقوا يوما يخوفهم ترجعون فيه إلى الله ثم توفى ، يعني توفى كل نفس بر وفاجر ثواب ما كسبت من خير وشر، وهم لا يظلمون في أعمالهم، وهذه آخر آية نزلت من القرآن،  ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم بعدها بتسع ليال.

التالي السابق


الخدمات العلمية