الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما  ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا  وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما  ولهديناهم صراطا مستقيما  

فلا وربك لا يؤمنون ، وذلك أن الزبير بن العوام ، رضي الله عنه، وهو من بني أسد بن عبد العزى، وحاطب بن أبي بلتعة العنسي من مذحج، وهو حليف لبني أسد بن عبد العزى، اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الماء، وكانت أرض الزبير فوق أرض حاطب ، وجاء السيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير: " اسق، ثم أرسل الماء إلى جارك "، فغضب حاطب وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه ابن عمتك، فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ومر حاطب على المقداد بن الأسود الكندي ، فقال: يا أبا بلتعة، لمن كان القضاء، فقال: قضى لابن عمته، ولوى شدقه، فأنزل الله عز وجل، فأقسم: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم  ، يعني اختلفوا بينهم، يقول: لا يستحقون الإيمان حتى يرضوا بحكمك فيما اختلفوا فيه من شيء، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ، يقول: لا يجدون في قلوبهم شكا مما قضيت أنه الحق، ويسلموا لقضائك لهم وعليهم تسليما .

فقالت اليهود: قاتل الله هؤلاء، ما أسفههم، يشهدون أن محمدا رسول الله ويبذلون له دماءهم، وأموالهم، ووطئوا عقبة، ثم يتهمونه في القضاء، فوالله لقد أمرنا موسى، عليه السلام، في ذنب واحد، أتيناه فقتل بعضنا بعضا، فبلغت القتلى سبعين ألفا حتى رضى الله عنا، وما كان يفعل ذلك غيرنا، فقال عند ذلك ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري : [ ص: 240 ] فوالله، إن الله عز وجل ليعلم أنه لو أمرنا أن نقتل أنفسنا لقتلناها، فأنزل الله عز وجل في قول ثابت: ولو أنا كتبنا ، يقول: لو أنا فرضنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ، فكان من ذلك القليل عمار بن ياسر ، وعبد الله بن مسعود ، وثابت بن قيس ، فقال عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه، والله لو فعل ربنا لفعلنا، فالحمد لله الذي لم يفعل بنا ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده، للإيمان أثبت في قلوب المؤمنين من الجبال الرواسي ".

ثم قال: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به من القرآن، لكان خيرا لهم في دينهم، وأشد تثبيتا ، يعني تصديقا في أمر الله عز وجل، وإذا لآتيناهم من لدنا ، يعني من عندنا، أجرا عظيما ، يعني الجنة، ولهديناهم صراطا مستقيما ، فلما نزلت: إلا قليل منهم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لعمار بن ياسر ، وعبد الله بن مسعود ، وثابت بن الشماس من أولئك القليل ".

التالي السابق


الخدمات العلمية