والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا
ثم أخبر بمستقر من لا يتولى الشيطان، فقال: والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ، يعني صدقا أنه منجز لهم ما وعدهم، ومن أصدق من الله قيلا ، فليس أحد أصدق قولا منه عز وجل في أمر الجنة والنار والبعث وغيره، ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ، نزلت في المؤمنين واليهود والنصارى، قالت اليهود: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن أهدى وأولى بالله منكم، وقالت النصارى: نبينا كلمة الله وروح الله وكلمته، وكان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، وفي كتابنا العفو، وليس فيه قصاص، فنحن أولى بالله منكم معشر اليهود ومعشر المسلمين.
فقال المسلمون: كذبتم، كتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، وآمنا بنبيكم وكتابكم، وكذبتم نبينا وكتابنا، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم، ونعمل بكتابنا، [ ص: 259 ] فنحن أهدى منكم وأولى بالله منكم، فأنزل عز وجل: ليس بأمانيكم معشر المؤمنين ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا .
ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ، من يعمل سوءا يجز به ، نزلت في المؤمنين مجازات الدنيا تصيبهم في النكبة بحجر، والضربة واختلاج عرق أو خدش عود، أو عثرة قدم فيدميه أو غيره، فبذنب قدم وما يعفو الله عنه أكبر، فذلك قوله سبحانه: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ، ثم قال: ولا يجد له من دون الله وليا ، يعني قريبا ينفعه، ولا نصيرا يعني ولا مانعا يمنعه من الله عز وجل.
فلما افتخرت اليهود على المؤمنين بالمدينة بين الله عز وجل، أمر المؤمنين، فقال سبحانه: ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن بتوحيد الله عز وجل، فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ، يعني ولا ينقصون من أعمالهم الحسنة نقيرا حتى يجازوا بها، يعني النقير الذي في ظهر النواة التي تنبت منه النخلة.
ثم اختار من الأديان دين الإسلام، فقال عز وجل: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ، يعني أخلص دينه لله، وهو محسن في عمله، واتبع ملة إبراهيم حنيفا ، يعني مخلصا، واتخذ الله إبراهيم خليلا ، يعني محبا، وأنزل الله عز وجل فيهم، هذان خصمان ، يعني كفار أهل الكتاب، اختصموا ، يعني ثلاثتهم: المسلمين واليهود والنصارى، في ربهم أنهم أولياء الله، ثم أخبر بمستقر الكافر، فقال: فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ، يعني جعلت لهم ثياب من نار، إلى آخر الآية، ثم أخبر سبحانه بمستقر المؤمنين، فقال: إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إلى آخر الآية.
قوله: واتخذ الله إبراهيم خليلا ، والخليل الحبيب ; لأن الله أحبه في كسره الأصنام، وجداله قومه، واتخذ الله إبراهيم خليلا قبل ذبح ابنه، فلما رأته الملائكة حين أمر بذبح ابنه، أراد المضي على ذلك، قالت الملائكة: لو أن الله عز وجل اتخذ عبدا خليلا [ ص: 260 ] لاتخذ هذا خليلا محبا، ولا يعلمون أن الله عز وجل اتخذه خليلا، وذلك محمد يزعم أنه خليل الله، لقد اجترأ، فأنزل الله عز وجل: واتخذ الله إبراهيم خليلا ، وإنما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه، رضي الله عنهم: " إن صاحبكم خليل الرحمن "، يعني نفسه، فقال المنافقون لليهود: ألا تنظرون إلى إبراهيم عبد من عباده مثل محمد، واتخذ إبراهيم خليلا حين ألقي في النار، فذهب حر النيران يومئذ من الأرض كلها.