الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين  فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين  ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين  

[ ص: 327 ] يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ، نزلت في بديل بن أبي مارية مولى العاص بن وائل السهمي ،  كان خرج مسافرا في البحر إلى أرض النجاشي ومعه رجلان نصرانيان، أحدهما يسمى تميم بن أوس الداري ، وكان من لخم، وعدي بن بندا ، فمات بديل وهم في البحر، فرمى به في البحر، قال: حين الوصية ، وذلك أنه كتب وصيته، ثم جعلها في متاعه، ثم دفعه إلى تميم وصاحبه، وقال لهما: أبلغا هذا المتاع إلى أهلي، فجاءا ببعض المتاع وحبسا جاما من فضة مموها بالذهب، فنزلت: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية يقول: عند الوصية يشهدون وصيته.

اثنان ذوا عدل منكم من المسلمين في دينهما، أو آخران من غيركم ، يعني من غير أهل دينكم النصرانيين، تميم الداري ، وعدي بن بندا ، إن أنتم ضربتم في الأرض يا معشر المسلمين للتجارة، فأصابتكم مصيبة الموت ، يعني بديل بن أبي مارية حين انطلق تاجرا في البحر، وانطلق معه تميم ، وعدي صاحباه، فحضره الموت، فكتب وصيته، ثم جعلها في المتاع، فقال: أبلغا هذا المتاع إلى أهلي، فلما مات بديل ، قبضا المتاع، فأخذا منه ما أعجبهما، وكان فيما أخذا إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوش مموه بالذهب، فلما رجعا من تجارتهما دفعا بقية المال إلى ورثته، ففقدوا بعض متاعه، فنظروا إلى الوصية، فوجدوا المال فيه تاما لم يبع منه، ولم يهب، فكلموا تميما وصاحبه، فسألوهما: هل باع صاحبنا شيئا أو اشترى شيئا فخسر فيه، أو طال مرضه فأنفق على نفسه؟ فقال: لا، قالوا: فإنا قد فقدنا بعض ما أبدى به صاحبنا، فقالا: ما لنا بما أبدى، ولا بما كان في وصيته علم، ولكنه دفع إلينا هذا المال، فبلغناكم إياه.

فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ، [ ص: 328 ] يعني بديل بن أبي مارية ، اثنان ذوا عدل منكم ، يعني من المسلمين، عبد الله بن عمرو بن العاص ، والمطلب بن أبي وداعة السهميان، أو آخران من غيركم من غير أهل دينكم، يعني النصرانيين، إن أنتم معشر المسلمين ضربتم في الأرض تجارا فأصابتكم مصيبة الموت ، يعني بديل بن أبي مارية مولى العاص بن وائل السهمي ، تحبسونهما ، يعني النصرانيين تقيمونهما، من بعد الصلاة صلاة العصر، فيقسمان بالله ، فيحلفان بالله، إن ارتبتم ، يعني إن شككتم، نظيرها في النساء القصرى، أن المال كان أكثر من هذا الذي أتيناكم به، لا نشتري به ثمنا ، يقول: لا نشتري بأيماننا عرضا من الدنيا، ولو كان ذا قربى ، يقول: ولو كان الميت ذا قرابة منا، ولا نكتم شهادة الله إنا إذا إن كتمنا شيئا من المال، لمن الآثمين بالله عز وجل.

فحلفهما النبي صلى الله عليه وسلم عند المنبر بعد صلاة العصر، فحلفا أنهما لم يخونا شيئا من المال، فخلى سبيلهما، فلما كان بعد ذلك، وجدوا الإناء الذي فقدوه عند تميم الداري، قالوا: هذا من آنية صاحبنا الذي كان أبدى بها، وقد زعمتما أنه لم يبع ولم يشتر ولم ينفق على نفسه، فقالا: قد كنا اشتريناه منه، فنسينا أن نخبركم به، فرفعوهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم الثانية: فقالوا: يا رسول الله، إنا وجدنا مع هذين إناء من فضة من متاع صاحبنا، فأنزل الله عز وجل: فإن عثر على أنهما استحقا إثما ، يقول: فإن اطلع على أنهما، يعني النصرانيين كتما شيئا من المال أو خانا، فآخران من أولياء الميت، يعني عبد الله بن عمرو بن العاص ، والمطلب بن أبي وداعة السهميان، يقومان مقامهما ، يعني مقام النصرانيين، من الذين استحق الإثم عليهم الأوليان فيقسمان بالله ، يعني فيحلفان بالله في دبر صلاة العصر أن الذي في وصية صاحبنا حق، وأن المال كان أكثر مما أتيتمانا به، وأن هذا الإناء لمن متاع صاحبنا الذي خرج به معه، وكتبه في وصيته، وأنكما خنتما، فذلك قوله سبحانه: لشهادتنا ، يعني عبد الله بن عمرو بن العاص ، والمطلب ، أحق من شهادتهما ، يعني النصرانيين، وما اعتدينا بشهادة المسلمين من أولياء الميت، إنا إذا لمن الظالمين .

ذلك أدنى ، يعني أجدر، نظيرها في النساء، أن يأتوا ، يعني النصرانيين، بالشهادة على وجهها ، كما كانت ولا يكتمان شيئا، أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ، يقول: أو يخافوا أن يطلع على خيانتهم فترد شهادتهما بشهادة الرجلين [ ص: 329 ] المسلمين من أولياء الميت، فحلف عبد الله ، والمطلب كلاهما أن الذي في وصية الميت حق، وأن هذا الإناء من متاع صاحبنا، فأخذوا تميم بن أوس الداري ، وعدي بن بندا النصرانيين بتمام ما وجدوا في وصية الميت حين أطلع الله عز وجل على خيانتهما في الإناء، ثم وعظ الله عز وجل المؤمنين ألا يفعلوا مثل هذا، وألا يشهدوا بما لم يعاينوا ويروا، فقال سبحانه يحذرهم نقمته: واتقوا الله واسمعوا مواعظه، والله لا يهدي القوم الفاسقين ، وأن تميم بن أوس الداري اعترف بالخيانة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ويحك يا تميم ، أسلم يتجاوز الله عنك ما كان في شركك "، فأسلم تميم الداري ، وحسن إسلامه، ومات عدي بن بندا نصرانيا.

التالي السابق


الخدمات العلمية