ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون
ومنهم ، يعني كفار مكة، من يستمع إليك وأنت تتلو القرآن، يعني النضر بن الحارث ، إلى آخر الآية، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ، يعني الغطاء على القلب ; لئلا يفقهوا القرآن، وفي آذانهم وقرا ، يعني ثقلا، فلا يسمعوا،، يعني النضر، ثم قال: وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ، يعني انشقاق القمر، والدخان، فلا يصدقوا بأنها من الله عز وجل، حتى إذا جاءوك يجادلونك في القرآن بأنه ليس من الله، يقول الله: قال: الذين كفروا ، يعني النضر: إن هذا القرآن إلا أساطير الأولين ، يعني أحاديث الأولين، حديث رستم ، وإسفندياز.
[ ص: 342 ] وهم ينهون عنه وينأون عنه ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أبي طالب بن عبد المطلب ، يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب ليريدوا بالنبي، عليه السلام، سوءا، فسألوا أبا طالب أن يدفعه إليهم فيقتلوه، فقال أبو طالب: ما لي عنه صبر، قالوا: ندفع إليك من سبايانا من شئت مكان ابن أخيك، فقال أبو طالب: حين تروح الإبل، فإن جاءت ناقة إلى غير فصيلها دفعت إليكم، وإن كانت الناقة لا تحن إلا إلى فصيلها، فأنا أحق من الناقة، فلما أبى عليهم، اجتمع منهم سبعة عشر رجلا من أشرافهم ورؤسائهم، فكتبوا بينهم كتابا ألا يبايعوا بني عبد المطلب، ولا يناكحوهم، ولا يخالطوهم، ولا يؤاكلوهم، حتى يدفعوا إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم فيقتلوه، فاجتمعوا في دار صاحب شيبة بن عثمان الكعبة، وكان هو أشد الناس على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو طالب: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أغيب في التراب دفينا فانفذ لأمرك ما عليك غضاضة أبشر وقر بذاك منك عونا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي فلقد صدقت وكنت قدما أمينا وعرضت دينا قد علمت بأنه من خير أديان البرية دينا لولا الدمامة أو أخادن سبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا فأنزل الله في أبي طالب ، واسمه: عبد مناف بن شيبة، وهو عبد المطلب: وهم ينهون عنه وينأون عنه ، كان ينهى قريشا عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم، ويتباعد هو عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتبعه على دينه، وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ، يعني أبا طالب.
ولو ترى يا محمد إذ وقفوا على النار ، يعني كفار قريش هؤلاء الرؤساء تمنوا، فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ، يعني القرآن بأنه من الله، ونكون من المؤمنين ، يعني المصدقين بالقرآن في قولهم: بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ، وذلك أنهم حين قالوا: والله ربنا ما كنا مشركين ، أوحى الله إلى الجوارح، فشهدت عليهم بما كتموا من الشرك، فذلك قوله: بل بدا لهم ، يعني ظهر لهم من الجوارح ما كانوا يخفون من قبل بألسنتهم من قبل أن تنطق الجوارح بالشرك، فتمنوا عند ذلك الرجعة إلى الدنيا، فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا إلى آخر الآية، فأخبر الله عنهم، فقال: ولو ردوا إلى الدنيا كما تمنوا [ ص: 343 ] وعمروا فيها، لعادوا لما ، يعني لرجعوا لما نهوا عنه من الشرك والتكذيب، وإنهم لكاذبون في قولهم حين قالوا: ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ، بالقرآن.
لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كفار مكة بالبعث كذبوه، وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ، بعد الموت، فأخبر الله بمنزلتهم في الآخرة، فقال: ولو ترى يا محمد إذ وقفوا ، يعني عرضوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا إنه الحق، قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون بالعذاب بأنه غير كائن، نظيرها في الأحقاف.