الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين  وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم  إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام  إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان  ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب  ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار  

قوله: إذ تستغيثون ربكم ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى المشركين يوم بدر، وعلم أنه لا قوة له بهم إلا بالله، دعا ربه، فقال: "اللهم إنك أمرتني بالقتال، ووعدتني بالنصر، وإنك لا تخلف الميعاد"، فاستجاب له ربه، فأنزل الله: إذ تستغيثون في النصر، فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة يوم بدر، مردفين ، يعني متتابعين، كقوله في المؤمنين: رسلنا تترى ، وقوله: طيرا أبابيل ، وقوله: يرسل السماء عليكم مدرارا ، يعني متتابع قطرها.

[ ص: 7 ] فنزل جبريل، عليه السلام، في ألف من الملائكة، فقام جبريل، عليه السلام، في خمسمائة ملك عن ميمنة الناس، معهم أبو بكر ، ونزل ميكائيل، عليه السلام، في خمسمائة على ميسرة الناس، معهم عمر في صور الرجال، عليهم البياض، وعمائم البيض، قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم، فقاتلت الملائكة يوم بدر، ولم يقاتلوا يوم الأحزاب، ولا يوم خيبر.

ثم قال وما جعله الله ، يعني مدد الملائكة، إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم ، يعني لتسكن إليه قلوبكم، وما النصر ، وليس النصر، إلا من عند الله ، وليس النصر بقلة العدد ولا بكثرته، ولكن النصر من عند الله، أن الله عزيز حكيم ، عزيز ، يعني منيع، حكيم في أمره، حكم النصر.

وقوله: إذ يغشيكم النعاس ، وذلك أن كفار مكة سبقوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ماء بدر، فخلفوا الماء وراء ظهورهم، ونزل المسلمون حيالهم على غير ماء، وبينهم وبين عدوهم بطن واد فيه رمل، فمكث المسلمون يوما وليلة يصلون محدثين مجنبين، فأتاهم إبليس، لعنه الله، فقال لهم: أليس قد زعمتم أنكم أولياء الله على دينه، وقد غلبتم على الماء تصلون على غير طهور، وما يمنع القوم من قتالكم إلا ما أنتم فيه من العطش والبلاء، حتى إذا انقطعت رقابكم من العطش، قاموا إليكم فلا يبصر بعضكم بعضا، فيقرنونكم بالحبال، فيقتلون منكم من شاءوا، ثم ينطلقون بكم إلى مكة.

فحزن المسلمون وخافوا، وامتنع منهم النوم، فعلم الله ما في قلوب المؤمنين من الحزن، فألقى الله عليهم النعاس أمنة من الله ليذهب همهم، وأرسل السماء عليهم ليلا، فأمطرت مطرا جوادا حتى سالت الأودية، وملؤوا الأسقية، وسقوا الإبل، واتخذوا الحياض، واشتدت الرملة، وكانت تأخذ إلى كعبي الرجال، وكانت باعة المؤمنين رجال لم يكن معهم إلا فارسان: المقداد بن الأسود ، وأبو مرثد الغنوي ، وكان معهم ست أدرع، فأنزل الله إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به من الإحداث والجنابة، ويذهب عنكم رجز الشيطان ، يعني [ ص: 8 ] الوسوسة التي ألقاها في قلوبكم والحزن، وليربط على قلوبكم بالإيمان من تخويف الشيطان، ويثبت به ، يعني بالمطر، الأقدام . إذ يوحي ربك ، ولما وصف القوم، أوحى الله عز وجل إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ، الذين آمنوا بالنصر، فكان الملك في صورة بشر في الصف الأول، فيقول: أبشروا، فإنكم كثير، وعددهم قليل، فالله ناصركم، فيرى الناس أنه منهم، ثم قال: سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب بتوحيد الله عز وجل يوم بدر، ثم علمهم كيف يصنعون، فقال: فاضربوا فوق الأعناق ، يعني الرقاب، تقول العرب: لأضربن فوق رأسك، يعني الرقاب، واضربوا بالسيف منهم كل بنان ، يعني الأطراف.

ذلك الذي نزل بهم بأنهم شاقوا الله ورسوله ، يعني عادوا الله ورسوله، ومن يشاقق الله ، يعني ومن يعاد الله ورسوله فإن الله شديد العقاب إذا عاقب.

[ ص: 9 ] ذلكم القتل، فذوقوه يوم بدر في الدنيا، ثم قال: وأن للكافرين بتوحيد الله عز وجل مع القتل، وضرب الملائكة الوجوه، والأدبار أيضا، لهم في الآخرة عذاب النار .

التالي السابق


الخدمات العلمية