الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل  إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير  إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم  انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون  لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون  عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين  

يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ، نزلت في المؤمنين، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالسير إلى غزوة تبوك في حر شديد، اثاقلتم إلى الأرض ، فتثاقلوا عنها، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ، يعني إلا ساعة من ساعات الدنيا.

ثم خوفهم: إلا تنفروا في غزاة تبوك إلى عدوكم، يعذبكم عذابا أليما ، يعني وجيعا، ويستبدل قوما غيركم أمثل منكم، وأطوع لله منكم ولا تضروه شيئا ، يعني ولا تنقصوا من ملكه شيئا بمعصيتكم إياه إنما تنقصون أنفسكم، والله على كل شيء أراده قدير إن شاء عذبكم واستبدل بكم قوما غيركم.

ثم قال للمؤمنين: إلا تنصروه ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، فقد نصره الله ، هذه أول آية نزلت من براءة، وكانت تسمى الفاضحة، لما ذكر الله فيها من عيوب [ ص: 48 ] المنافقين، إذ أخرجه الذين كفروا بتوحيد الله من مكة، ثاني اثنين ، فهو النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: لا تحزن إن الله معنا في الدفع عنا، وذلك حين خاف القافة حول الغار، فقال أبو بكر: أتينا يا نبي الله، وحزن أبو بكر ، فقال: إنما أنا رجل واحد، وإن قتلت أنت تهلك هذه الأمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تحزن .

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اعم أبصارهم عنا"
ففعل الله ذلك بهم، فأنزل الله سكينته عليه ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وأيده بجنود لم تروها ، يعني الملائكة يوم بدر، ويوم الأحزاب، ويوم خيبر، وجعل كلمة الذين كفروا ، يعني دعوة الشرك، السفلى وكلمة الله ، يعني دعوة الإخلاص، هي العليا ، يعني العالية والله عزيز في ملكه، حكيم ، حكم إطفاء دعوة المشركين، وإظهار التوحيد.

انفروا إلى غزاة تبوك خفافا وثقالا ، يعني نشاطا وغير نشاط، وجاهدوا العدو بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ، يعني الجهاد، ذلكم خير لكم من القعود، إن كنتم تعلمون . لو كان عرضا قريبا ، يعني غنيمة قريبة، وسفرا قاصدا ، يعني هينا، لاتبعوك في غزاتك، ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا ، يعني لو وجدنا سعة في المال، لخرجنا معكم في غزاتكم، يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون بأن لهم سعة في الخروج، ولكنهم لم يريدوا الخروج، منهم: جد بن قيس ، ومعتب بن قشير ، وهما من الأنصار.

[ ص: 49 ] ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: عفا الله عنك لم أذنت لهم في القعود، يعني في التخلف، حتى يتبين لك الذين صدقوا في قولهم، يعني أهل العذر، منهم: المقداد ابن الأسود الكندي ، وكان سمينا، وتعلم الكاذبين . في قولهم، يعني من لا قدر لهم.

التالي السابق


الخدمات العلمية