إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين
ثم أخبر عن أبى الخواص ، أن غير أبي الخواص أحق منه بالصدقة، وبين أهلها، فقال: [ ص: 54 ] إنما الصدقات للفقراء الذين لا يسألون الناس، والمساكين الذين يسألون الناس، والعاملين عليها يعطون مما جبوا من الصدقات على قدر ما جبوا من الصدقات، وعلى قدر ما شغلوا به أنفسهم عن حاجتهم، والمؤلفة قلوبهم يتألفهم بالصدقة، يعطيهم منها، منهم: ، أبو سفيان وعيينة بن حصن ، وسهل بن عمرو ، وقد انقطع حتى المؤلفة اليوم، إلا أن ينزل قوم منزلة أولئك، فإن أسلموا أعطوا من الصدقات، تتألفهم بذلك ليكونوا دعاة إلى الدين، وفي الرقاب ، يعني وفي فك الرقاب، يعني أعطوا المكاتبين، والغارمين ، وهو الرجل يصيبه غرم في ماله من غير فساد ولا معصية، وفي سبيل الله ، يعني في الجهاد، يعطى على قدر ما يبلغه في غزاته، وابن السبيل ، يعني المسافر المجتاز وبه حاجة، يقول: فريضة من الله لهم هذه القسمة؛ لأنهم أهلها، والله عليم بأهلها، حكيم حكم قسمتها.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لمحمد، ولا لأهله، ولا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي" ، يعني القوي الصحيح، "لا تحل الصدقة وكان المؤلفة قلوبهم ثلاثة عشر رجلا، منهم: ، أبو سفيان بن حرب بن أمية والأقرع بن حابس المجاشعي ، وعيينة بن حصن الفزاري ، وحويطب بن عبد العزى القرشي ، من بني عامر بن لؤي، والحارث بن هشام المخزومي ، وحكيم بن حزام ، من بني أسد بن عبد العزى، ومالك بن عوف النضري ، وصفوان بن أمية القرشي ، وعبد الرحمن بن يربوع ، وقيس بن عدي السهمي ، وعمرو بن مرداس ، والعلاء بن الحارث الثقفي ، أعطى كل رجل منهم مائة من الإبل ليرغبهم في الإسلام ويناصحون الله ورسوله، غير أنه أعطى خمسين من الإبل، وأعطى عبد الرحمن بن يربوع حويطب بن عبد العزى القرشي خمسين من الإبل، وكان أعطى سبعين من الإبل، فقال: يا نبي الله، ما كنت أرى أن أحدا من المسلمين أحق بعطائك مني، فزاده النبي صلى الله عليه وسلم، فكره، ثم زاده عشرة، فكره، فأتمها له مائة من الإبل، فقال حكيم بن حزام حكيم: يا رسول الله، عطيتك الأولى التي رغبت عنها، أهي خير أم التي قنعت بها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الإبل التي رغبت عنها"، فقال: والله لا آخذ غيرها، فأخذ السبعين، فمات وهو أكثر قريش مالا، فشق على النبي صلى الله عليه وسلم تلك العطايا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعطي رجلا [ ص: 55 ] وأترك آخر، وإن الذي أترك أحب إلي من الذي أعطي، ولكن أتألف بالعطية، وأوكل المؤمن إلى إيمانه" .
ومنهم ، يعني من المنافقين، الذين يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم، منهم: الجلاس بن سويد ، وشماس بن قيس ، والمخش بن حمير ، وسماك بن يزيد ، وعبيد بن الحارث ، ورفاعة بن زيد ، ورفاعة بن عبد المنذر ، قالوا ما لا ينبغي، فقال رجل منهم: لا تفعلوا، فإنا نخاف أن يبلغ محمدا فيقع بنا، فقال الجلاس: نقول ما شئنا، فإنما محمد أذن سامعة، فنأتيه بما نقول، فنزلت في الجلاس: ويقولون هو أذن ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ، يعني يصدق بالله، ويصدق المؤمنين، ورحمة للذين آمنوا منكم ، يقول: محمد رحمة للمؤمنين، كقوله: رءوف رحيم ، يعني للمصدقين بتوحيد الله، رءوف رحيم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ، يعني وجيع.
يحلفون بالله لكم ليرضوكم بعد اليوم، منهم: عبد الله بن أبي ، حلف ألا نتخلف عنك، ولنكونن معك على عدوك، والله ورسوله أحق أن يرضوه ، فيها تقديم، إن كانوا مؤمنين ، يعني مصدقين بتوحيد الله عز وجل.
ألم يعلموا ، يعني المنافقين أنه من يحادد الله ورسوله ، يعني يعادي الله ورسوله، فأن له نار جهنم خالدا فيها لا يموت ذلك العذاب الخزي العظيم . قوله: يحذر المنافقون ، نزلت في الجلاس بن سويد ، وسماك بن عمر ، ووداعة بن ثابت ، والمخش بن حمير الأشجعي ، وذلك أن المخش قال لهم: والله لا أدري إني أشر خليقة الله، والله لوددت أني جلدت مائة جلدة، وأنه لا ينزل فينا ما يفضحنا، فنزل: يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ، يعني براءة، تنبئهم بما في قلوبهم من النفاق، وكانت تسمى الفاضحة، قل استهزئوا إن الله مخرج مبين [ ص: 56 ] ما تحذرون . ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ، وذلك حين انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من غزاة تبوك إلى المدينة، وبين يديه هؤلاء النفر الأربعة يسيرون، ويقولون: إن محمدا يقول إنه نزل في إخواننا الذين تخلفوا في المدينة كذا وكذا، وهم يضحكون ويستهزئون، فأتاه جبريل، فأخبره بقولهم، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر أنهم يستهزئون ويضحكون من كتاب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإنك إذا سألتهم ليقولن لك: عمارا إنما كنا نخوض ونلعب فيما يخوض في الركب إذا ساروا، قال: فأدركهم قبل أن يحترقوا فأدركهم، فقال: ما تقولون؟ قالوا: فيما يخوض فيه الركب إذا ساروا، قال عمار: صد الله ورسوله، وبلغ الرسول، عليه السلام، عليكم غضب الله، هلكتم أهلككم الله.
ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء القوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه، فقال المخش: كنت أسايرهم والذي أنزل عليك الكتاب ما تكلمت بشيء مما قالوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينههم عن شيء مما قالوا، وقبل العذر، فأنزل الله عز وجل: ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ، يعني ونتلهى قل يا محمد أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ، استهزأوا بالله لأنهما من الله عز وجل.
لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم ، يعني المخش الذي لم يخض معهم، نعذب طائفة ، يعني الثلاثة الذين خاضوا واستهزأوا، [ ص: 57 ] بأنهم كانوا مجرمين ، فقال المخش للنبي صلى الله عليه وسلم: وكيف لا أكون منافقا واسمي وأسمائي أخبث الأسماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما اسمك؟ "، قال: المخش بن حمير الأشجعي حليف الأنصار لبني سلمة بن جشم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت عبد الله بن عبد الرحمن ، فقتل يوم اليمامة .