الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
سورة النور

مدنية وهي أربع وستون آية كوفية

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون  الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين  الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين  والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون  إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم  والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين  والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين  ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين  

سورة يريد فريضة وحكم أنزلناها وفرضناها يعني وبيناها وأنزلنا فيها آيات بينات يعني عز وجل آيات القرآن بينات، يعني واضحات، يعني حدوده تعالى وأمره ونهيه، لعلكم يعني لكي تذكرون ، فتتبعون ما فيه من الحدود والنهي.

الزانية والزاني إذا لم يحصنا فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة يجلد الرجل على بشرته وعليه إزار، وتجلد المرأة جالسة عليها درعها ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله يعني رقة في أمر الله، عز وجل، من تعطيل الحدود  عليهما، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر الذي فيه جزاء الأعمال، فلا تعطلوا الحد، وليشهد عذابهما يعني جلدهما [ ص: 408 ] طائفة من المؤمنين يعني رجلين فصاعدا، يكون ذلك نكالا لهما وعظة للمؤمنين.

قال الفراء: الطائفة الواحد فما فوقه الزاني من أهل الكتاب لا ينكح إلا زانية من أهل الكتاب، أو ينكح مشركة من غير أهل الكتاب من العرب، يعني الولائد اللاتي يزنين بالأجر علانية منهن: أم شريك جارية عمرو بن عمير المخزومي ، وأم مهزول جارية ابن أبي السائب بن عائذ ، وشريفة جارية زمعة بن الأسود ، وجلالة جارية سهيل بن عمرو ، وقريبة جارية هشام بن عمرو ، وفرشى جارية عبد الله بن خطل ، وأم عليط جارية صفوان بن أمية ، وحنة القبطية جارية عبد الله بن خطل ، وأم عليط جارية صفوان بن أمية ، وحنة القبطية جارية العاص بن وائل ، وأميمة جارية عبد الله بن أبي ، ومسيكة بنت أمية جارية عبد الله بن نفيل ، كل امرأة منهن رفعت علامة على بابها، كعلامة البيطار ليعرف أنها زانية، وذلك أن نفرا من المؤمنين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن تزويجهن بالمدينة، قالوا: ائذن لنا في تزويجهن، فإنهن أخصب أهل المدينة وأكثر خيرا، والمدينة غالية السعر، والخبز بها قليل، وقد أصابنا الجهد، فإذا جاء الله، عز وجل، بالخير طلقناهن وتزوجنا المسلمات، فأنزل الله عز وجل: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك يقول: وحرم تزويجهن على المؤمنين . والذين يرمون المحصنات يعني نساء المؤمنين بالزنا ثم لم يأتوا بأربعة شهداء من الرجال على قولهم فاجلدوهم ثمانين جلدة يجلد بين الضربين على ثيابه ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ما دام حيا وأولئك هم الفاسقون يعني العاصين في مقالتهم.

ثم استثنى، فقال: إلا الذين تابوا من بعد ذلك يعني بعد الرمي وأصلحوا العمل فليسوا بفساق فإن الله غفور لقذفهم رحيم بهم، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم هاتين الآيتين في خطبة يوم الجمعة، فقال عاصم بن عدي الأنصاري للنبي صلى الله عليه وسلم: جعلني الله فداك، لو أن رجلا منا وجد على بطن امرأته رجلا، فتكلم جلد ثمانين جلدة،  ولا تقبل له شهادة في المسلمين أبدا، ويسميه المسلمون فاسقا، فكيف لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء، إلى أن يلتمس أحدنا أربعة شهداء فقد فرغ الرجل من حاجته، فأنزل الله عز وجل في قوله: والذين يرمون أزواجهم بالزنا ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم [ ص: 409 ] يعني الزوج أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين إلى ثلاث آيات، فابتلى الله، عز وجل، عاصما بذلك في يوم الجمعة الأخرى، فأتاه ابن عمه عويمر الأنصاري من بني العجلان بن عمرو بن عوف، وتحته ابنة عمه أخي أبيه، فرماها بابن عمه شريك بن السحماء ، والخليل والزوج والمرأة كلهم من بني عمرو بن عوف، وكلهم بنو عم عاصم، فقال: يا عاصم ، لقد رأيت شريكا على بطن امرأتي، فاسترجع عاصم ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت سؤالي عن هذه والذين يرمون أزواجهم، فقد ابتليت بها في أهل بيتي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " وما ذاك يا عاصم " فقال: أتاني ابن عمي فأخبرني أنه وجد ابن عم لنا على بطن امرأته، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الزوج والخليل والمرأة، فأتوه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لزوجها عويمر : "ويحك اتق الله، عز وجل، في خليلتك وابنة عمك أن تقذفها بالزنا". فقال الزوج: أقسم لك بالله، عز وجل، إني رأيته معها على بطنها، وإنها لحبلى منه، وما قربتها منذ أربعة أشهر.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة - خولة بنت قيس الأنصارية -: "ويحك ما يقول زوجك"، قالت: أحلف بالله إنه لكاذب، ولكنه غار، ولقد رآني معه نطيل السمر بالليل، والجلوس بالنهار، فما رأيت ذلك في وجهه، وما نهاني عنه قط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للخليل: "ويحك ما يقول ابن عمك" فحدثه مثل قولها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزوج والمرأة: "قوما فاحلفا بالله، عز وجل"، فقام الزوج عند المنبر دبر صلاة العصر يوم الجمعة، وهو عويمر بن أمية ، فقال: أشهد بالله أن فلانة زانية، يعني امرأته خولة، وإني لمن الصادقين، ثم قال الثانية: أشهد بالله أن فلانة زانية، ولقد رأيت شريكا على بطنها، وإني لمن الصادقين، ثم قال الثالثة: أشهد بالله أن فلانة زانية، وأنها لحبلى من غيري، وإني لمن الصادقين، ثم قال في الرابعة: أشهد بالله أن فلانة زانية، وما قربتها منذ أربعة أشهر، وإني لمن الصادقين، ثم قال الخامسة: لعنة الله على عويمر ، إن كان من الكاذبين عليها في قوله.

والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين . [ ص: 410 ] ثم قامت خولة بنت قيس الأنصارية مقام زوجها، فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية، وإن زوجي لمن الكاذبين، ثم قالت الثانية: أشهد بالله ما أنا بزانية، وما رأى شريكا على بطني، وإن زوجي لمن الكاذبين، ثم قالت الثالثة: أشهد بالله ما أنا بزانية، وإني لحبلى منه، وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت الرابعة: أشهد بالله ما أنا بزانية، وما رأى علي من ريبة ولا فاحشة، وإن زوجي لمن الكاذبين، ثم قالت الخامسة: غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين في قوله. ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما.


فذلك قوله عز وجل: ويدرأ عنها العذاب يقول: يدفع عنها الحد لشهادتها بعد أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان زوجها من الصادقين في قوله، وكان الخليل رجلا أسود ابن حبشية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا ولدت فلا ترضع ولدها حتى تأتوني به"، فأتوه بولدها، فإذا هو أشبه الناس بالخليل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا الأيمان، لكان لي فيهما أمر".

والمتلاعنان يفترقان فلا يجتمعان أبدا،  وإن صدقت زوجها لم يتلاعنا، فإن كان زوجها جامعها بعد الدخول بها رجمت ويرثها زوجها، وإن كان لم يجامعها جلدت مائة وهي امرأته، وإن كان الزوج رجع عن قوله قبل أن يفرغا من الملاعنة جلد ثمانين جلدة وكانت امرأته كما هي.

التالي السابق


الخدمات العلمية