الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا  عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا  ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا  إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا  إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا  فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا  وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا  متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا قواريرا من فضة قدروها تقديرا ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا  عينا فيها تسمى سلسبيلا

                                                                                                                                                                                                                                      إن الأبرار يشربون من كأس يعني : الخمر كان مزاجها كافورا تفسير الكلبي : كافورا عين في الجنة ، اسمها : كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا أي : تجري لهم بعين كما أحبوا يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا أي : قاسيا ، وشره على الكفار .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 71 ] قال محمد : يقال : استطار الحريق إذا انتشر ، واستطار الفجر إذا انتشر الضوء .

                                                                                                                                                                                                                                      ويطعمون الطعام على حبه أي : على حاجاتهم إليه مسكينا ويتيما وأسيرا يعني : الأسير من المشركين " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع الأسير إلى الرجل فيقول : احبس هذا عندك ، فيكون عنده الليلة والليلتين ، فكانوا يؤثرون على أنفسهم أولئك الأسرى فأثنى الله عليهم بذلك " .

                                                                                                                                                                                                                                      إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا تفسير مجاهد : قالوا : هذا في أنفسهم ولم ينطقوا به ، فعلم الله ذلك منهم ، فأثنى به عليهم يوما عبوسا قمطريرا قال بعضهم : يعني : تعبس فيه الوجوه ، والقمطرير : الشديد .

                                                                                                                                                                                                                                      قال محمد : يقال للمعبس الوجه : قمطرير وقماطر .

                                                                                                                                                                                                                                      ولقاهم نضرة في وجوههم وسرورا في قلوبهم .

                                                                                                                                                                                                                                      متكئين فيها على الأرائك على السرر في الحجال لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا الزمهرير : البرد الشديد . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس في الجنة شمس ولا ليل مظلم ولا حر ولا برد يؤذيهم " .  

                                                                                                                                                                                                                                      ودانية عليهم ظلالها يعني : ظلال الشجر .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 72 ] قال محمد : (الأرائك) واحدها : أريكة ، وهي الحجال فيها الفرش والأسرة ونصب (متكئين) على الحال ، المعنى : وجزاهم جنة في حال اتكائهم فيها ، وكذلك ودانية عليهم ظلالها .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله : وذللت قطوفها تذليلا أي : ذللت لهم ثمارها يتناولون فيها كيف شاءوا . قال مجاهد : إن قام ارتفعت بقدره ، وإن قعد تدلت إليه حتى ينالها ، وإن اضطجع تدلت إليه حتى ينالها .

                                                                                                                                                                                                                                      قال محمد : واحد (القطوف) : قطف ، ومعنى : ذللت أدنيت .

                                                                                                                                                                                                                                      وأكواب كانت قواريرا قواريرا من فضة الأكواب : الأكواز واحدها : كوب ، وهو المدور القصير العنق القصير العروة ، ومعنى كانت قواريرا قواريرا من فضة ، أي : يجتمع فيها صفاء القوارير في بياض الفضة ؛ وذلك أن لكل قوم من تراب أرضهم قوارير ، وإن تراب الجنة فضة ، فهي قوارير من فضة يشربون فيها يرى الشراب من وراء جدر القوارير ، وهذا لا يكون في فضة الدنيا .

                                                                                                                                                                                                                                      قال محمد : قرأه أهل الحجاز وأهل الكوفة (قواريرا قواريرا) بإثبات الألف والتنوين ، ذكره أبو عبيد قال : وكان حمزة يسقط الألف منهن ولا يصرفن . وذكر الزجاج : أن الاختيار عند النحويين أن تقرأ بغير صرف قال : ومن قرأه [ ص: 73 ] قواريرا بصرف الأول فلأنه رأس آية ، ومن صرف الثاني أتبع اللفظ اللفظ ؛ لأن العرب ربما قلبت إعراب الشيء ؛ لتتبع اللفظة اللفظة ، وكذلك قوله : إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا الأجود في العربية : ألا يصرف ، ولكن لما جعلت رأس آية صرفت ليكون آخر الآي على لفظ واحد .

                                                                                                                                                                                                                                      قدروها تقديرا أي : في أنفسهم فأتتهم على نحو ما قدروا واشتهوا من صغار وكبار وأوساط ، هذا تفسير قتادة ويسقون فيها كأسا وهي الخمر كان مزاجها زنجبيلا أي : طعم ذلك المزاج طعم الزنجبيل .

                                                                                                                                                                                                                                      عينا فيها تسمى سلسبيلا السلسبيل : اسم العين .

                                                                                                                                                                                                                                      قال محمد : المعنى : (يسقون عينا سلسبيلا) ، وكانت العرب تستطيب الزنجبيل ، وتضرب به المثل وبالخمر ممتزجين ، فخاطبهم الله بما كانوا يعرفون ويستحبون في الدنيا ، يقول : لكم في الآخرة مثل ما تستحبون في الدنيا إن آمنتم ، والسلسبيل في اللغة صفة لمكان غاية في السلامة ، وصرف ؛ لأنه رأس آية .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية