الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              معلومات الكتاب

              تهذيب الآثار للطبري

              الطبري - محمد بن جرير الطبري

              صفحة جزء
              ذكر البيان عما في هذه الأخبار من الغريب

              فمن ذلك قول عمر رحمه الله في لحم الضب: إنما عافه رسول الله صلى الله عليه وسلم.  

              يعني بقوله: عافه: كرهه، يقال منه: عاف فلان هذا الشيء فهو يعافه عيفا، وعيوفا، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:


              لكالثور يوم الورد يضرب ظهره وما ذنبه أن عافت الماء مشربا     وما ذنبه أن عافت الماء باقر
              وما إن تعاف الماء إلا ليضربا

              [ ص: 198 ] ومنه قول نابغة بني ذبيان:

              دعته نية عنا قذوف     وعاف البشر فانتجع الملاحا

              والعيافة غير هذا المعنى، وهي شبيهة الكهانة وزجر الطير والسوانح والبوارح، يقال منه: عاف العائف، فهو يعيف عيافة، ومنه أيضا قول أعشى بني ثعلبة:


              ما تعيف اليوم في الطير الروح     من غراب البين أو تيس برح

              وأما قول ابن عباس: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أغسق، فإنه كما قال.

              معناه: إذا أظلم، يقال منه: غسق الليل يغسق غسوقا، ومنه قول عمر بن الخطاب: أخروا السحور، وعجلوا الإفطار، ولا تفطروا حتى تروا الليل يغسق على الظراب.

              ومنه أيضا قول الله عز وجل: ومن شر غاسق إذا وقب ، يعني بذلك: من شر مظلم إذا هجم بظلامه .

              [ ص: 199 ] وأما قول خالد بن الوليد: فوجد عندهم ضبا محنوذا، فإنه يعني بالمحنوذ: المشوي، الذي قد أنضج شيا.

              وقد اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى المحنوذ: المشوي، وقال: يقال منه: حنذت فرسي: بمعنى سخنته وعرقته، واستشهد لقوله ذلك ببيت العجاج:


              وفرغا من رعي ما تلزجا     ورهبا من حنذه أن يهرجا

              وقال الآخرون منهم: الحنذ: التعريق.

              وقال آخرون منهم: كل شيء شوي في الأرض إذا خدت له فيها فدفن فيها وغمم فهو المحنوذ، وقال: تحنيذ الخيل: إلقاء الجلال بعضها على بعض عليها لتعرق، وذكر عن العرب أنها تقول: إذا سقيته فأحنذ: يعني اخفس، يراد به: أقل الماء وأكثر النبيذ.

              وهذه أقوال -وإن اختلفت ألفاظ قائليها -متقاربات المعاني، والحنذ: هو ما وصفت في هذا الموضع، أعني في قول خالد بن الوليد: [ ص: 200 ] فوجد عندها ضبا محنوذا، ومنه قول الله تعالى ذكره: فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ، يعنى به: بعجل نضيج، قد أنضج شيا.

              التالي السابق


              الخدمات العلمية