الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              معلومات الكتاب

              تهذيب الآثار للطبري

              الطبري - محمد بن جرير الطبري

              صفحة جزء
              313 - حدثنا به محمد بن العلاء الهمداني ، حدثنا عثمان بن سعيد المري ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، أنه قال: "لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل، ولم يشرب، ولم ينسل".  

              وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي ذكر الله عز وجل في كتابه، فمسخ هؤلاء القوم -يعني الذين مسخهم قردة في صورة القردة - 0 وكذلك يفعل بمن شاء كيف شاء، ويحوله كيف يشاء.

              فما وجه قول ابن عباس هذا إذا، إن كان الذين مسخوا من بني إسرائيل جائزا عندك [ ص: 195 ] أن يكونوا هم هذه الضباب اليوم، أو أن يكونوا كانوا موجودين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر عليهم من الزمان ما مر، وأتى عليهم من الدهور ما أتى، وهذا الخبر عن ابن عباس بإنكاره للمسخ عيشا أكثر من ثلاث؟

              وإن أنت قلت بتصحيح القول الذي روي عن ابن عباس ، قيل لك: فما وجه الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضباب إذا، إذ سئل عنها فقال: "إن أمة مسخت فأرهب أن تكونه" ، والمسوخ قد هلكت وبادت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم.

              والذي قدم إليه فامتنع من أكله منها، والذي سئل عنه منها، لا هو المسخ، ولا هو من نسلها، فما وجوه كراهته أكل ذلك حذارا أن يكون من الأمة التي مسخت، وهو صلى الله عليه وسلم يخبر أن المسخ لا يعقب، وابن عباس يذكر أنه لا يعيش أكثر من ثلاث؟

              قيل له: أما الخبر عن ابن عباس الذي روي بما ذكرت من أن المسخ لا يعيش أكثر من ثلاث، فخبر في سنده نظر؛ لعلتين:

              إحداهما: أن الضحاك لم يسمعه من ابن عباس .

              والثانية: أن بشر بن عمارة ليس ممن يعتمد على روايته.

              ولو كان ذلك عن ابن عباس صحيحا؛ لم يكن فيه لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف، وكذلك أنه ليس في الخبر الذي روي عنه صلى الله عليه وسلم في الضب الذي قدم إليه أو سئل عنه أنه قال: هو من الأمة التي مسخت بأعيانها، وإنما روي عنه أنه قال: "لعل هذا منهم، وأرهب أن تكونه" .

              وجائز أن يكون عنى بقوله: "لعل هذا منهم" : منهم في الصورة والخلقة، ولعل هذا من نوعهم في المثال.

              "وأرهب أن تكونه" : بمعنى أن تكون نظيره في المثال [ ص: 196 ] والشبه، لا أنها هي بأعيانها.

              وإذا احتمل ذلك ما قلنا، كانت كراهته صلى الله عليه وسلم أكلها لمشابهتها في الخلقة والصورة خلقا غضب الله عليه فغيره عن هيئته وصورته إلى صورتها، وكذلك هي عندنا.

              وإذا صح أن ذلك كذلك؛ صحت مخارج معاني ما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن المسخ لا يعقب، وقوله إذ سئل عن الضب: "إن أمة من بني إسرائيل مسخت فلعل هذا منهم" ، ومخرج معنى قول ابن عباس: إن المسخ لا يعيش أكثر من ثلاث، وذلك أن تكون الأمة الممسوخة هلكت بعد ثلاث ولم تعقب ولم تنسل، وتكون كراهة النبي صلى الله عليه وسلم أكل الضباب إذ كرهه؛ حذارا أن تكون من نوع ما مسخ الله من الأمة التي مسخ من بني إسرائيل، إذ كان لم يمسخ تعالى ذكره خلقا من خلقه على صورة دابة من الدواب، إلا كره إلى أمة نبينا صلى الله عليه وسلم أكل لحم تلك الدابة التي مسخ ذلك الخلق على صورته أو حرمه عليهم.

              وذلك كتحريمه عليهم لحوم الخنازير التي مسخت على صورتها أمة من اليهود، وكتحريمه لحوم القردة التي مسخت على صورتها منهم أمة أخرى، وتكريهه ذلك إليهم.

              فإن قال: أفكانت عنده الضباب من المسوخ، وسبيلها سبيلها؟ قيل: إن في قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أمة مسخت فأرهب أن تكونه" ، وفي قوله عليه السلام: "فلعل هذا منهم" ، بيانا واضحا أنه لم يكن تبين له أنها من نوع الأمة التي مسخت -ولذلك لم تحرم -وأنه لو تبين له منها ما تبين من القردة والخنازير لحرم أكلها على آكلها، ولكنه عليه السلام رأى خلقا مشكلا، يشبه خلق المسوخ؛ فكره أكلها لذلك، ولم يحرمه؛ إذ لم يكن أتاه الوحي من الله عز وجل بأن ذلك كذلك [ ص: 197 ] .

              وفي صحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي ذكرنا من كراهته أكل لحوم الضباب، مع إذنه لآكليها في أكلها، الدليل الواضح على أن من أمور الدين أمورا، الورع في الإحجام عن التقدم عليها، والفضل في الكف والإمساك عنها، وإن كان غير محرم التقدم عليها؛ وذلك إذا التبست على المرء أسبابها، ولم يتضح له وجه صحتها وضوحا بينا، كالذي فعل صلى الله عليه وسلم في أكل لحم الضب، فلم يتقدم عليه؛ أخذا منه بالاحتياط لنفسه، واستبراء منه لدينه؛ إذ خاف أن يكون من نوع المسوخ التي حرم الله نظائرها عليه، ولم ينه آكله عن أكله؛ إذ لم تكن وضحت له صحة أمره أنه من نوع المسوخ.

              وكذلك يفعل المتمسك من أمته بمنهاجه فيما أشكل عليه أمره؛ يحجم عن التقدم عليه؛ أخذا منه بالاحتياط لنفسه، واستبراء لدينه، ولا يذم المتقدم عليه ذم مؤثم، ولا يلومه لوم معنف

              التالي السابق


              الخدمات العلمية