فمن ذلك رحمه الله في لحم الضب: إنما عافه رسول الله صلى الله عليه وسلم. عمر قول
يعني بقوله: عافه: كرهه، يقال منه: عاف فلان هذا الشيء فهو يعافه عيفا، وعيوفا، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:
لكالثور يوم الورد يضرب ظهره وما ذنبه أن عافت الماء مشربا وما ذنبه أن عافت الماء باقر
وما إن تعاف الماء إلا ليضربا
دعته نية عنا قذوف وعاف البشر فانتجع الملاحا
ما تعيف اليوم في الطير الروح من غراب البين أو تيس برح
معناه: إذا أظلم، يقال منه: غسق الليل يغسق غسوقا، ومنه قول أخروا السحور، وعجلوا الإفطار، ولا تفطروا حتى تروا الليل يغسق على الظراب. عمر بن الخطاب:
ومنه أيضا قول الله عز وجل: ومن شر غاسق إذا وقب ، يعني بذلك: من شر مظلم إذا هجم بظلامه .
[ ص: 199 ] وأما قول فوجد عندهم ضبا محنوذا، فإنه يعني بالمحنوذ: المشوي، الذي قد أنضج شيا. خالد بن الوليد:
وقد اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى المحنوذ: المشوي، وقال: يقال منه: حنذت فرسي: بمعنى سخنته وعرقته، واستشهد لقوله ذلك ببيت العجاج:
وفرغا من رعي ما تلزجا ورهبا من حنذه أن يهرجا
وقال آخرون منهم: كل شيء شوي في الأرض إذا خدت له فيها فدفن فيها وغمم فهو المحنوذ، وقال: تحنيذ الخيل: إلقاء الجلال بعضها على بعض عليها لتعرق، وذكر عن العرب أنها تقول: إذا سقيته فأحنذ: يعني اخفس، يراد به: أقل الماء وأكثر النبيذ.
وهذه أقوال -وإن اختلفت ألفاظ قائليها -متقاربات المعاني، والحنذ: هو ما وصفت في هذا الموضع، أعني في قول [ ص: 200 ] فوجد عندها ضبا محنوذا، ومنه قول الله تعالى ذكره: خالد بن الوليد: فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ، يعنى به: بعجل نضيج، قد أنضج شيا.