الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              معلومات الكتاب

              تهذيب الآثار للطبري

              الطبري - محمد بن جرير الطبري

              صفحة جزء
              وأما الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أقروا الطير في مكناتها"  ، وروى بعضهم: مكناتها، فإن بعضهم كان يوجهه إلى هذا المعنى، وإلى أن ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإقرار الطير على بيضها حتى تفرخ، ويزعم أن المكنات جمع مكنة، وأنها بيض الطائر، ويزعم أن ذلك قيل على وجه الاستعارة، وإن كان المكنات لا تعرف إلا للضباب، كما قيل: مشافر الحبش، وإنما المشافر للإبل، كما قال الشاعر في صفة الأسد:


              له لبد أظفاره لم تقلم

              ولا أظفار للأسد، وإنما له مخالب.

              وقد أنكر ذلك من قوله آخرون، وقالوا: بل معنى ذلك: أقروا الطير على أمكنتها، وامضوا لأموركم، فإن الأمر بيد الله تعالى.

              قالوا: وإنما قال ذلك لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا في الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرا أو غزوا أو أمرا من الأمور، [ ص: 203 ] أثار الطير من أوكارها؛ لينظر أي وجه تسلك، وإلى أي ناحية تطير، فإن طارت ذات اليمين خرج لسفره ومضى لأمره، وإن أخذت ذات الشمال؛ رجع ولم يمض؛ فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقروها في أماكنها، وأبطل ذلك من فعلهم، كما أبطل الاستقسام بالأزلام.

              وقال آخرون: بل هذا تصحيف من الرواة، وخطأ منهم، ولا نعرف المكنات إلا اسما لبيض الضباب دون غيرها.

              قالوا: ونرى أن راوي ذلك سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أقروا الطير في وكناتها" ، بالواو.

              وقالوا: ووكنات الطير: مواضع عشها، وحيث تسقط عليه من الشجر وتأوي إليه.

              واستشهدوا لقولهم ذلك ببيت امرئ القيس بن حجر:


              وقد أغتدي والطير في أكناتها     بمنجرد قيد الأوابد هيكل

              والصواب من القول عندي في ذلك غير ما قال هؤلاء.

              وذلك أنا إن وجهنا ذلك إلى ما قاله من زعم أن معنى مكناتها أمكنتها؛ خرجنا عن المعروف من كلام العرب؛ وذلك أنا لا نعلم في كلامهم أنه يقال للأمكنة: مكنة.

              وإن وجهناه إلى ما قاله من زعم أنه عنى بالمكنات بيضها؛ دخلنا أيضا في نحو الذي أنكرنا من الخروج عن المعروف من كلام العرب، وذلك أنه لا تعرف المكنات إلا للضباب في كلام العرب، فأما الطير فلم يسمع بالمكنات.

              [ ص: 204 ] وإن قلنا ما قاله الذين نسبوا رواة الخبر إلى الخطإ فيما نقلوه؛ كنا قد تقدمنا على ما لا يقين عندنا به.

              ولكن القول في ذلك عندي أن الرواية ينبغي أن تكون: "أقروا الطير على مكناتها" بفتح الميم والكاف، فتكون المكنات حينئذ جمع مكنة، والمكنة: اسم من التمكن، فعلة منه، من قول القائل: مكن فلان بموضع كذا: بمعنى تمكن فيه، فهو يمكن فيه مكنا، ومكنة، ثم تجمع المكنة مكنات، كما يقال: قعد فلان قعدة وقعدات، وجلس جلسة وجلسات، ويكون معنى الكلام حينئذ: أقروا الطير التي تزجرونها في مواضعها المتمكنة فيها، التي هي بها مستقرة، وامضوا لأموركم، فإن زجركم إياها غير مجد عليكم نفعا، ولا دافع عنكم ضرا.

              التالي السابق


              الخدمات العلمية