له لبد أظفاره لم تقلم
ولا أظفار للأسد، وإنما له مخالب.وقد أنكر ذلك من قوله آخرون، وقالوا: بل معنى ذلك: أقروا الطير على أمكنتها، وامضوا لأموركم، فإن الأمر بيد الله تعالى.
قالوا: وإنما قال ذلك لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا في الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرا أو غزوا أو أمرا من الأمور، [ ص: 203 ] أثار الطير من أوكارها؛ لينظر أي وجه تسلك، وإلى أي ناحية تطير، فإن طارت ذات اليمين خرج لسفره ومضى لأمره، وإن أخذت ذات الشمال؛ رجع ولم يمض؛ فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقروها في أماكنها، وأبطل ذلك من فعلهم، كما أبطل الاستقسام بالأزلام.
وقال آخرون: بل هذا تصحيف من الرواة، وخطأ منهم، ولا نعرف المكنات إلا اسما لبيض الضباب دون غيرها.
قالوا: ونرى أن راوي ذلك سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ، بالواو. "أقروا الطير في وكناتها"
وقالوا: ووكنات الطير: مواضع عشها، وحيث تسقط عليه من الشجر وتأوي إليه.
واستشهدوا لقولهم ذلك ببيت امرئ القيس بن حجر:
وقد أغتدي والطير في أكناتها بمنجرد قيد الأوابد هيكل
وذلك أنا إن وجهنا ذلك إلى ما قاله من زعم أن معنى مكناتها أمكنتها؛ خرجنا عن المعروف من كلام العرب؛ وذلك أنا لا نعلم في كلامهم أنه يقال للأمكنة: مكنة.
وإن وجهناه إلى ما قاله من زعم أنه عنى بالمكنات بيضها؛ دخلنا أيضا في نحو الذي أنكرنا من الخروج عن المعروف من كلام العرب، وذلك أنه لا تعرف المكنات إلا للضباب في كلام العرب، فأما الطير فلم يسمع بالمكنات.
[ ص: 204 ] وإن قلنا ما قاله الذين نسبوا رواة الخبر إلى الخطإ فيما نقلوه؛ كنا قد تقدمنا على ما لا يقين عندنا به.
ولكن القول في ذلك عندي أن الرواية ينبغي أن تكون: بفتح الميم والكاف، فتكون المكنات حينئذ جمع مكنة، والمكنة: اسم من التمكن، فعلة منه، من قول القائل: مكن فلان بموضع كذا: بمعنى تمكن فيه، فهو يمكن فيه مكنا، ومكنة، ثم تجمع المكنة مكنات، كما يقال: قعد فلان قعدة وقعدات، وجلس جلسة وجلسات، ويكون معنى الكلام حينئذ: أقروا الطير التي تزجرونها في مواضعها المتمكنة فيها، التي هي بها مستقرة، وامضوا لأموركم، فإن زجركم إياها غير مجد عليكم نفعا، ولا دافع عنكم ضرا. "أقروا الطير على مكناتها"