الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

أخبرنا عمر بن أحمد السمسار ، أخبرنا أبو سعيد النقاش ، أخبرنا الحسين بن علي التيمي ، ومحمد بن حمدون بن خالد ، أخبرنا محمد بن أشرس النصيبي ، حدثنا أبو مسهر ، حدثنا الوليد ابن مسلم ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن ربيعة بن كعب ، قال: كان إسلام أبي بكر رضي الله عنه شبيها بوحي من السماء،  وذلك أنه كان تاجرا بالشام، فرأى رؤيا، فقصها على بحيرا الراهب ، فقال له: من أين أنت؟ قال: من مكة، قال: من أيها؟ قال: من قريش، قال: فإيش أنت؟ قال: تاجر، قال: إن صدق الله رؤياك فإنه سيبعث نبيا من قومك تكون وزيره في حياته وخليفته بعد موته، فأسر [ ص: 51 ] أبو بكر رضي الله عنه هذه، حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه، فقال: يا محمد ما الدليل على ما تدعي؟ قال: "الرؤيا التي رأيت بالشام" ، فعانقه، وقبل بين عينيه، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، وأخبرنا عمر ، أخبرنا أبو سعيد ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبيد البزار ، بنهر الدير، حدثنا محمد بن يعقوب بن إسحاق ، بالأهواز، حدثنا علي بن عبد الحميد القرشي ، حدثنا موسى بن شيبة ، حدثنا خالد بن القاسم المدائني ، عن محمد بن عبد الرحمن البياضي ، عن أبيه، عن جده، قال: قيل لأبي بكر رضي الله عنه: أخبرنا عن نفسك، هل رأيت شيئا قط قبل الإسلام من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؟  فقال أبو بكر رضي الله عنه: نعم، وهل بقي أحد من قريش أو غير قريش لم يجعل الله لمحمد في نبوته حجة وفي غيرها، ولكن الله هدى من شاء وأضل من شاء، بينا أنا قاعد في فيء شجرة في الجاهلية إذ تدلى علي غصن من أغصانها حتى صار على رأسي، فجعلت أنظر إليه، [ ص: 52 ] وأقول: ما هذا؟ فسمعت صوتا من الشجرة: هذا النبي يخرج في وقت كذا وكذا، فكن أنت من أسعد الناس به، قلت: بينه، ما اسم هذا النبي؟ قال: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي ، فقال أبو بكر: صاحبي وأليفي وحبيبي، فتعاهدت الشجرة متى تبشرني بخروج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أتاه الوحي، سمعت صوتا من الشجرة: جد وشمر يا ابن أبي قحافة ، فقلت: جاء الوحي، ورب موسى لا يسبقنك إلى الإسلام أحد.

قال أبو بكر رضي الله عنه: فلما أصبحت غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآني قال لي: "يا أبا بكر إني أدعوك إلى الله وإلى رسوله" قلت: أشهد أنك رسول الله، بعثك بالحق سراجا منيرا، فآمنت به وصدقته. 


قال الشيخ الإمام، رحمه الله: الحديثان غريبان، حدث بهما أبو سعيد النقاش الحافظ وغيره من أصحاب الحديث.

أخبرنا عمر بن أحمد السمسار ، أخبرنا أبو بكر بن أبي علي ، حدثنا الطبراني ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري ، عن عبد الرزاق ، عن معمر [ ص: 53 ] عن الزهري ، أخبره عروة بن الزبير ، أن عائشة رضي الله عنها، قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر عليهما يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر رضي الله عنه، مهاجرا قبل أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال ابن الدغنة: أين يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي وأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، فقال ابن الدغنة: مثلك يا أبا بكر ، وإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا تخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلدك، فارتحل ابن الدغنة ورجع مع أبي بكر فطاف ابن الدغنة في كفار قريش، فقال: إن أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل [ ص: 54 ] الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق،  وأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وآمنوا أبا بكر ، فقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، وليصلي فيها ما شاء، وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا، ولا يستعلن بالصلاة والقراءة في غير داره، ففعل، ثم بدا لأبي بكر رضي الله عنه، فابتنى مسجدا بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فينقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يكاد يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش.

فأرسلوا إلى ابن الدغنة ، فقدم عليهم، فقالوا: إنما أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره، وأنه قد جاوز ذلك، وابتنى مسجدا بفناء داره وأعلن بالصلاة والقراءة، وإنا قد خشينا أن يفتن نساؤنا وأبناؤنا فأته فأمره، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهن، أن نخفر ذمتك، ولسنا مقرين لأبي بكر بالاستعلان، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتى ابن الدغنة ، أبا بكر ، فقال: يا أبا بكر قد علمت الذي عقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في عهد عقدت، قال أبو بكر رضي الله عنه: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله [ ص: 55 ] ورسوله صلى الله عليه وسلم - ورسول الله صلى الله عليه وسلم، يومئذ بمكة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد رأيت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين، وهما الحرتان"  فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فرجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين، وتجهز أبو بكر رضي الله عنه مهاجرا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي"، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أترجو ذلك؟ بأبي أنت.

قال: "نعم" فحبس أبو بكر رضي الله عنه نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر
[ ص: 56 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية