الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

حدثنا أبو طاهر الراراني ، حدثنا أبو بكر بن أبي نصر ، حدثنا أبو الشيخ ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق البزار رضي الله عنه، عن البراء ، قال: اشترى أبو بكر رضي الله عنه من عازب رحلا بثلاثة عشر درهما، فقال أبو بكر رضي الله عنه لعازب: مر البراء فليحمله إلى أهلي، قال: لا؛ حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم؟ قال: ارتحلنا من مكة فاختفينا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة، فرميت ببصري هل أرى من ظل نأوي إليه، فإذا أنا بصخرة فانتهيت إليها، فإذا بقية ظلها، فسويتها، ثم فرشت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قلت: اضطجع يا رسول الله.

فاضطجع، ثم ذهبت أنظر هل أرى من الطلب أحدا، فإذا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أريد، يعني الظل، فسألته: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لفلان، رجل من قريش، فسماه، فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، قلت: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم.

قال [ ص: 77 ] :

فاعتقل شاة من غنمه فأمرته بنفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال: هكذا فضرب إحدى يديه على الأخرى، فحلب لي كثبة من اللبن، ومعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم إداوة على فمها خرقة فصببت على اللبن، حتى برد أسفله، فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوافقته حتى استيقظ، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، فقلت: آن الرحيل يا رسول الله، فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا منهم أحد غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت: هذا الطلب، قد لحقنا يا رسول الله، قال: وبكيت، فقال: لا تحزن إن الله معنا .

فلما دنا وكان بيننا وبينه قيد رمحين أو ثلاثة، قلت: هذا الطلب يا رسول الله، قد لحقنا، وبكيت، فقال: "ما يبكيك؟" فقلت: أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اكفناه بما شئت" فساخت به فرسه في الأرض إلى بطنها، فوثب عنها، ثم قال: يا محمد قد علمت أن هذا من عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب، وهذه كنانتي فخذ منها سهما، فإنك ستمر على إبلي وغنمي مكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حاجة لنا في إبلك وغنمك"، فدعا له [ ص: 78 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق راجعا إلى أصحابه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا معه حتى أتينا المدينة ليلا.


قال: وحدثنا أبو الشيخ ، حدثنا أبو العباس الهروي ، حدثنا يحيى بن جعفر بن أبي طالب ، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي ، حدثنا الفرات ، عن ميمون بن مهران ، عن ضبة بن محصن ، قال: كان علينا أبو موسى الأشعري أميرا بالبصرة، فكان إذا خطبنا حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، يدعو لعمر رضي الله عنه، قال: فغاظني ذلك منه، فقلت: أين أنت عن صاحبه، تفضله عليه؟ قال: فصنع ذلك جمعا، ثم كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكوني، يقول: إن ضبة بن محصن يتعرض لي في خطبتي، فكتب إليه عمر رضي الله عنه أن أشخصه إلي، فأشخصني إليه فقدمت عليه، فضربت عليه الباب فخرج إلي، فقال: من أنت؟ قلت: ضبة بن محصن الغنوي.

قال: فلا مرحبا ولا أهلا، فقلت: فأما المرحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل ولا مال، فبم استحللت إشخاصي من مصري بلا ذنب أذنبت ولا شيء أتيت؟ قال: ما الذي شجر بينك وبين عاملك؟ قلت: الآن أخبرك يا أمير المؤمنين، إنه كان إذا خطب فحمد الله [ ص: 79 ] وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، يدعو لك فغاظني ذلك منه، فقلت: أين أنت عن صاحبه تفضله عليه، فكتب إليك يشكوني.

قال: فاندفع عمر باكيا، وهو يقول: أنت والله أوفق منه، وأرشد منه، فهل أنت غافر لي ذنبي، يغفر الله لك، قلت: غفر الله لك يا أمير المؤمنين، ثم اندفع باكيا وهو يقول: والله لليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر وآل عمر،  فهل لك أن أحدثك بليلته ويومه؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أما ليلته فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة هاربا من المشركين، خرج ليلا فتبعه أبو بكر ، فجعل مرة يمشي أمامه، ومرة خلفه، ومرة عن يمينه، ومرة عن يساره، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هذا يا أبا بكر؟ ما أعرف هذا من فعالك"، قال: يا رسول الله، أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لا آمن عليك، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه، فلما رأى أبو بكر رضي الله عنه أنها قد حفيت حمله على عاتقه حتى أتى به فم الغار، فأنزله ثم قال: والذي بعثك بالحق لا تدخله أنت حتى أدخله، فإن كان فيه شيء بدأ بي قبلك، فلم ير شيئا يستريبه، فحمله وأنزله وكان في الغار خرق فيه حيات، فلما رأى ذلك أبو بكر رضي الله عنه ألقمه قدمه، فجعل يلسعه أو يضربه، وجعلت دموعه تنحدر على خده من ألم ما يجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تحزن إن الله معنا ، فأنزل الله سكينته، - أي طمأنينته - لأبي بكر رضي الله عنه فهذه ليلته، [ ص: 80 ] وأما يومه: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، فقال بعضهم: نصلي ولا نزكي.

وقال بعضهم: نزكي ولا نصلي، فآتيته لا آلو نصحا، فقلت: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تألف الناس، وارفق بهم، فقال لي: جبار في الجاهلية خوار في الإسلام، قبض النبي صلى الله عليه وسلم وارتفع الوحي، والله لو منعوني عقالا كانوا يعطونه رسول الله لقاتلتهم عليه،  فقاتلنا معه، وكان والله رشيد الأمر، فهذا يومه ثم كتب إلى أبي موسى يلومه.


قال: وحدثنا أبو الشيخ ، حدثنا محمد بن داود التوزي ، حدثنا محمود بن غيلان ، حدثنا أبو داود ، حدثنا مسلمة بن علقمة ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي حرب بن أبي الأسود ، عن طلحة النصري ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لبثت مع صاحبي يعني أبا بكر رضي الله عنه بضعة عشر أو عشرين يوما ما لنا طعام إلا ورق البرير"  ، قال أبو داود: البرير: الأراك [ ص: 81 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية