الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      سورة الأنفال

                                                                                                                                                                                                                                      بسم الله الرحمن الرحيم

                                                                                                                                                                                                                                      عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن القاسم بن محمد ، قال: قال ابن عباس: كان عمر إذا سئل عن شيء قال: لا آمرك، ولا أنهاك، قال: ثم يقول ابن عباس: والله ما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلا زاجرا آمرا، محلا محرما، قال: فسلط على ابن عباس رجل من أهل العراق فسأله عن الأنفال، فقال ابن عباس: كان الرجل ينفل فرس الرجل وسلبه، فأعاد عليه،  فقال مثل ذلك، ثم أعاد عليه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر، ، قال: وكان عمر ضربه حتى سالت الدماء على عقبيه، أو قال على رجليه، فقال: أما الله فقد انتقم لعمر منك .

                                                                                                                                                                                                                                      عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن محمد بن السائب ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال: لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا، وكانوا قتلوا سبعين، وأسروا سبعين،  فجاء أبو اليسر بن عمرو بأسيرين، فقال: يا رسول الله، إنك وعدتنا من قتل [ ص: 250 ] قتيلا فله كذا، ومن أسر أسيرا فله كذا، وقد جئت بأسيرين، فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، إنا لم تمنعنا زهادة في الأجر ولا جبن عن العدو، ولكنا قمنا هذا المقام خشية أن يقتطعك المشركون، وإنك إن تعط هؤلاء لا يبقى لأصحابك شيء، قال: فجعل هؤلاء يقولون، وهؤلاء يقولون فنزلت يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم  قال: فسلموا الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: نزلت واعلموا أنما غنمتم من شيء الآية.

                                                                                                                                                                                                                                      عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الكلبي ، قال: لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم: من جاء برأس فله كذا وكذا، ومن جاء بأسير فله كذا وكذا،  فلما هزم المشركون تبعهم ناس من المسلمين، وبقي مع النبي صلى الله عليه وسلم ناس، فقال الذين بقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله، والله ما منعنا أن نصنع كما صنع هؤلاء وأن نتبعهم ضعف بنا ولا تقصير، ولكنا كرهنا أن نعريك وندعك وحدك، قال: فتدارءوا في ذلك، فأنزل الله تعالى: يسألونك عن الأنفال ، ثم أخبر الله تعالى بمواضعها فقال: واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى [ ص: 251 ] الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم  قال: معمر ، وقال قتادة : هي المغانم .

                                                                                                                                                                                                                                      عبد الرزاق ، قال: أخبرنا معمر ، قال: أخبرني أيوب ، عن عكرمة أن أبا سفيان أقبل من الشام في عير قريش، وخرج المشركون مغوثين لعيرهم، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم يريد أبا سفيان وأصحابه، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه عينا طليعة ينظران بأي ماء هو، فانطلقا حتى إذا علما علمه وأخبرا خبره جاءا سريعين فأخبرا النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء أبو سفيان حتى نزل على الماء الذي كان به الرجلان، فقال لأهل الماء: هل أحسستم أحدا من أهل يثرب؟ قالوا: لا، قال: فهل مر بكم أحد؟ قالوا: ما رأينا إلا رجلين من أهل كذا وكذا، قال أبو سفيان: فأين كان مناخهما؟ فدلوه عليه، فانطلق حتى أتى بعر إبلهما ففته فإذا فيه نوى، فقال: أنى لبني فلان النوى؟ هذه نواضح أهل يثرب فترك الطريق، وأخذ سيف البحر، وجاء الرجلان فأخبرا النبي صلى الله عليه وسلم خبره، فقال: أيكم أخذ هذه الطريق؟ فقال أبو بكر: هم بماء كذا وكذا، ونحن بماء كذا وكذا فيرتحل فينزل ماء كذا وكذا، [ ص: 252 ] وننزل نحن ماء كذا وكذا، ثم ينزل ماء كذا وكذا، ثم ننزل ماء كذا وكذا، ثم نلتقي بماء كذا وكذا فكأنا فرسا رهان، فسار النبي حتى نزل بدرا، فوجد على ماء بدر بعض رقيق قريش ممن خرج يغيث أبا سفيان، فأخذهم أصحابه فجعلوا يسألونهم فإذا صدقوهم ضربوهم، وإذا كذبوهم تركوهم، فمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يفعلون ذلك، فقال: إن صدقكم ضربتموه، وإن كذبكم تركتموه، ثم دعا واحدا منهم فقال: من يطعم القوم؟ فقال: فلان وفلان، فعدد رجالا يطعمهم كل رجل يوما، قال: فكم ينحر لهم؟ قال: عشرة من الجزر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الجزور بمائة، وهم ما بين الألف والتسع مائة، فلما جاء المشركون صافوهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد استشار قبل ذلك في قتالهم فقام أبو بكر يشير عليه، فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم استشارهم فقام عمر يشير عليه، فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم استشارهم فقام سعد بن عبادة فقال: يا نبي الله، والله لكأنك تعرض بنا منذ اليوم لتعلم ما في نفوسنا، والذي نفسي بيده لو ضربت أكبادها حتى تبلغ برك الغماد من ذي يمن لكنا معك، فوطن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الصبر والقتال، وسر بذلك منهم، فلما التقوا سار في قريش عتبة بن ربيعة، [ ص: 253 ] فقال: أي قوم أطيعوني اليوم ولا تقاتلوا محمدا وأصحابه، فإنكم إن قاتلتموه لم تزل بينكم إحنة ما بقيتم وفساد، لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أخيه وقاتل ابن عمه، فإن يك ملكا أكلتم في ملك أخيكم، وإن يك نبيا فأنتم أسعد الناس به، وإن يك كاذبا كفتكموه ذؤبان العرب، فأبوا أن يسمعوا مقالته، وأبوا أن يطيعوه، فقال: أنشدكم الله في هذه الوجوه التي كأنها المصابيح أن تجعلوها أندادا لهذه الوجوه التي كأنها عيون الحيات، فقال أبو جهل: لقد ملأت سحرك رعبا، ثم سار في قريش فقال: إن عتبة بن ربيعة إنما يشير عليكم بهذا؛ لأن ابنه مع محمد، ومحمد ابن عمه، فهو يكره أن يقتل ابنه وابن عمه، فغضب عتبة بن ربيعة فقال أي مصفر استه ستعلم أينا أجبن وألأم وأقتل لقومه اليوم، ثم نزل ونزل معه أخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة فقالوا: أبرز إلينا أكفاءنا، فثار ناس من الأنصار من بني الخزرج فأجلسهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقام علي ، وحمزة ، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف ، فاختلف كل رجل منهم وقرينه ضربتين فقتل كل رجل منهم صاحبه، وأعان حمزة عليا على قتل صاحبه فقتله، وقطعت رجل عبيدة فمات بعد ذلك، وكان أول قتيل قتل يومئذ من المسلمين مهجع مولى عمر بن الخطاب  ، ثم أنزل الله تعالى نصره وهزم [ ص: 254 ] عدوه، وقتل أبو جهل بن هشام فأخبر بقتله النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفعلتم؟ قالوا: نعم يا نبي الله، فسر بذلك، وقال: إن عهدي به وفي ركبتيه حور، فاذهبوا فانظروا هل ترون ذلك، فنظروا فرأوه، وأسر يومئذ ناس من قريش ، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقتلى فجروا حتى ألقوا في القليب  ، ثم أشرف عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي عتبة بن ربيعة أي أمية بن خلف فجعل يسميهم رجلا رجلا هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فقالوا: يا نبي الله أو يسمعون ما تقول .

                                                                                                                                                                                                                                      قال عبد الرزاق ، قال معمر ، وقال قتادة ، قال عمر بن الخطاب : كيف يسمع يا نبي الله، قوم أموات؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنتم بأعلم بما أقول منهم، أي أنهم قد رأوا أعمالهم  
                                                                                                                                                                                                                                      .

                                                                                                                                                                                                                                      عبد الرزاق ، عن معمر ، عن هشام ، عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث يومئذ زيد بن حارثة بشيرا يبشر أهل المدينة ، فجعل ناس لا يصدقونه ويقولون: والله ما رجع هذا إلا فالا، وجعل يخبرهم بالأسرى، ويخبرهم بمن قتل فلم يصدقوه حتى جيء بالأسارى مقرنين في قد، ثم وافاهم النبي صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                                      عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة وعن عثمان الجزري ، عن مقسم ، قالا: فادى [ ص: 255 ] النبي صلى الله عليه وسلم أسارى بدر، وكان فداء كل رجل منهم أربعة آلاف،  وقتل عقبة بن أبي معيط قبل الفداء قام إليه علي فقتله فقال: يا محمد فمن للصبية؟ قال: النار .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية