الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
قال أبو جعفر: فهذه عشر آيات قد ذكرناها في سورة النساء ورأيت بعض المتأخرين قد ذكر آية سوى هذه العشر وهي قوله عز وجل وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا   .

قال أبو جعفر: وإنما لم أفرد لها بابا لأنه لم يصح عندي أنها ناسخة ولا منسوخة ولا ذكرها أحد من المتقدمين بشيء من ذينك فنذكر قوله وليس يخلو أمرها من إحدى ثلاث جهات ليس في واحدة منهن نسخ وذلك أن الذي قال: هي منسوخة يحتج بأن الله جل وعز قال: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا قال فكان في هذا منع من قصر الصلاة إلا في الخوف ثم صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قصر في غير الخوف  آمن ما كان الناس في السفر، [ ص: 228 ] فجعل فعل النبي صلى الله عليه وسلم ناسخا للآية وهذا غلط بين لأنه ليس في الآية منع للقصر في الأمن وإنما فيها إباحة القصر في الخوف فقط والجهات التي فيها عن العلماء المتقدمين منهن أن يكون معنى أن تقصروا من الصلاة أن تقصروا من حدودها في حال الخوف وذلك ترك إقامة ركوعها وسجودها وأداؤها كيف أمكن، مستقبل القبلة ومستدبرها وماشيا وراكبا في حال الحرب وهي حال الخوف كما قال تعالى: فإن خفتم فرجالا أو ركبانا وهكذا يروى عن ابن عباس وهذا قول وهو اختيار محمد بن جرير واستدل على صحته بأن بعده فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة فإقامتها إتمام ركوعها وسجودها وسائر فرائضها وترك إقامتها في غير الطمأنينة هو ترك إقامة هذه الأشياء ومن الجهات في تأويل الآية أن جماعة من الصحابة والتابعين قالوا: قصر صلاة الخوف أن يصلي ركعة واحدة لأن صلاة المسافر ركعتين ليس بقصر لأن فرضها ركعتان  وممن صح عنه: فرضت الصلاة ركعتين ثم [ ص: 229 ] أتمت صلاة المقيم وأقرت صلاة المسافر بحالها عائشة رضي الله عنها ، وممن قال صلاة الخوف ركعة واحدة  حذيفة ، وجابر بن عبد الله ، وسعيد بن جبير وهو قول ابن عباس.

396 - كما قرئ على محمد بن جعفر بن حفص ، عن خلف بن هشام المقرئ ، قال: حدثنا أبو عوانة ، عن بكير بن الأخنس ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال: "فرض الله جل وعز الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم للمقيم أربعا وللمسافر ركعتين وفي الخوف ركعة" .

[ ص: 230 ] قال أبو جعفر: وفي الآية قول ثالث عليه أكثر الفقهاء وذلك أن تكون صلاة الخوف ركعتين  مقصورة من أربع في كتاب الله جل وعز وصلاة السفر في الأمن ركعتان مقصورة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بالقرآن ولا بنسخ للقرآن.

397 - ويدلك على صحة هذا ما قرئ على يحيى بن أيوب ، عن ابن أبي مريم ، قال: حدثنا يحيى بن أيوب قال: أخبرني ابن جريج ، أن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار حدثه، عن عبد الله بن بابيه عن يعلى بن أمية أنه قال: سألت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قلت: أرأيت قول الله عز وجل فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، فقد زال الخوف فما بال القصر؟ فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هي صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوها"   .

قال أبو جعفر: فلم يقل عليه السلام قد نسخ ذلك وإنما نسبه عليه [ ص: 231 ] السلام إلى الرخصة فصح قول من قال قصر صلاة السفر بالسنة وقصر صلاة الخوف بالقرآن،  ولا يقال منسوخ لما ثبت في التنزيل وصح فيه التأويل إلا بتوقيف أو بدليل قاطع.

[ ص: 232 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية