الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
115 - وحدثنا بكر بن سهل ، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال: أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم"  وإنما أمر من قطع فلما كان رسول الله صلى الله عليه [ ص: 565 ] وسلم قد أمر بالتمتع والقران جاز هذا.

ومن الدليل على أمره بذلك:

116 - أن أحمد بن شعيب حدثنا قال: أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي ، قال: حدثنا حماد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم موافين لهلال ذي الحجة، فقال: "من شاء منكم أن يهل بحجة فليهل، ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل بعمرة".

قال أبو جعفر: هذا احتجاج لمن رأى إفراد الحج، وسنذكر غيره، فأما التمتع بالعمرة إلى الحج فهذا موضع ذكره.

[ ص: 566 ] 117 - قال أبو جعفر: قرئ على أحمد بن محمد بن الحجاج ، عن يحيى بن عبد الله بن بكير ، عن الليث بن سعد ، قال: حدثني عقيل ، عن الزهري ، قال: أخبرني سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر ، قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق الهدي من ذي الحليفة وبدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، وساق الحديث.

118 - قال الزهري: وأخبرني عروة ، عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمتعه بالعمرة إلى الحج مثل الذي أخبرني سالم عن عبد الله بن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: هذا متناقض رويتم عن القاسم ، عن [ ص: 567 ] عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج، ورويتم هاهنا عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة التمتع، قيل له: الحديثان متفقان وذلك بين ألا ترى أن في هذا الحديث نصا، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج أفلا ترى الحج مفردا من العمرة فهذا بين جدا.

119 - قال أبو جعفر: ، حدثنا أحمد بن شعيب ، قال: أخبرنا محمد بن المثنى ، عن عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن أبي موسى ، قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالبطحاء فقال: "بم أهللت؟" فقلت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هل سقت من هدي؟" قلت: لا قال: "فطف بالبيت وبالصفا والمروة وحل" فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي فلم أزل أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر فإني لقائم بالموسم إذ أتاني رجل فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك، فقلت: يا أيها الناس من أفتيناه بشيء فليتئد فإن أمير المؤمنين قادم فأتموا به فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين ما أحدثت في النسك؟ قال: أن نأخذ بكتاب الله جل وعز فقد قال الله جل ثناؤه وأتموا الحج والعمرة لله [ ص: 568 ] وأن نأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يحل حتى نحر الهدي ".

قال أبو جعفر: قوله: فليتئد معناه فليتثبث، مشتق من التؤدة، وقوله: لم يحل أي: لم يحل من إحرامه، أي: لم يستحل لبس الثياب والطيب وما أشبههما وفي هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبي موسى بالتمتع

وفيه أن أبا موسى توقف عن الفتيا بالتمتع وقد أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن وافى عمر فلما وافى عمر منع من التمتع فلم يراده أبو موسى ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاز غيره فدل هذا على أن إمام المسلمين إذا اختار قولا يجوز ويجوز غيره وجب أن لا يخالف عليه ونظير هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [ ص: 569 ] .

120 - "أنزل القرآن على سبعة أحرف".

فرأى عثمان رضي الله عنه أن يزيل منها ستة وأن يجمع الناس على حرف واحد فلم يخالفه أكثر الصحابة حتى قال علي رضي الله عنه.

[ ص: 570 ] 121 - "لو كنت موضعه لفعلت كما فعل".

وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي موسى: "طف بالبيت وبين الصفا والمروة وحل" ولم يقل له: احلق ولا قصر فدل على أن الحلق والتقصير غير واجبين وفيه أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم فدل هذا على أن هذا جائز لمن فعله، وقال بعض أهل العلم: هذا يدل على أنه جائز أن يلبي الرجل ولا يريد حجا ولا عمرة ثم يوجب بعد ذلك ما شاء واستدل قائل هذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لبى مرة بالإفراد ومرة بالتمتع ومرة بالقران حتى نزل عليه القضاء فقرن.

[ ص: 571 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية