باب ذكر الآية التي هي تتمة ثلاثين آية .
وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله الآية فعن ابن عباس فيها ثلاثة أقوال: إحداهن: أنها منسوخة بقوله تعالى: قال جل وعز لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وسنذكره بإسناده والثاني: أنها غير منسوخة وأنها عامة يحاسب المؤمن والكافر والمنافق بما أبدى وأخفى فيغفر للمؤمنين ويعاقب الكافرون والمنافقون والثالث: أنها مخصوصة وأنها في كتمان الشهادة وإظهارها كذا روى عن يزيد بن أبي زياد مقسم عن [ ص: 119 ] 292 - فأما الرواية عن، ابن عباس فإنها قالت عائشة، فهذه أربعة أقوال. "ما هم به العبد من خطيئة عوقب على ذلك بما يلحقه من الهم والحزن في الدنيا"
293 - وقرئ على أحمد بن محمد بن الحجاج عن ، قال: حدثنا يحيى بن سليمان ، قال: حدثنا إسماعيل ابن علية ابن أبي نجيح ، عن ، في مجاهد وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فقال: "هذا في الشك واليقين" [ ص: 120 ] وهذه الأقوال الخمسة يقرب بعضها من بعض فقول قول الله تعالى: في الشك واليقين قريب من قول مجاهد إنها لم تنسخ وإنها عامة، وقول ابن عباس الذي رواه عنه ابن عباس مقسم إنها في الشهادة يصح على أن غير الشهادة بمنزلتها وقول إنها ما يلحق الإنسان في الدنيا على أن تكون عامة أيضا فأما أن تكون منسوخة فيصح من جهة ويبطل من جهة فأما الجهة التي تبطل منها فإن عائشة فأخبر الله تعالى أنه يحاسب من أبدى شيئا أو أخفاه فمحال أن يخبر بضده وأيضا فإن الحكم إذا كان منسوخا فإنما ينسخ بنفيه وبآخر ناسخ له ناف له من كل جهاته فلو كان الأخبار لا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ ومن زعم أن في الأخبار ناسخا ومنسوخا فقد ألحد أو جهل لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ناسخا لنسخ تكليف ما لا طاقة به وهذا منفي عن الله عز وجل أن يتعبد به كما قال تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها
294 - وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يلقن أصحابه إذا بايعوا "فيما استطعتم" [ ص: 121 ] فأما الوجه الذي يصح منه وهو الذي ينبغي أن يتبين ويوقف عليه لأن المعاند ربما عارض بقول الصحابة والتابعين في أشياء من الأخبار ناسخة ومنسوخة فالجاهل باللغة إما أن يحير فيها وإما أن يلحد فيقول في الأخبار ناسخ ومنسوخ وهو يعلم أن الإنسان إذا قال قام فلان ثم نسخ هذا فقال لم يقم فقد كذب وفي حديث تبيين ما أراد. ابن عباس
295 - كما حدثنا ، قال: حدثنا محمد بن جعفر الأنباري صالح بن زياد الرقي ، قال: حدثنا يزيد ، قال : أخبرنا ، عن سفيان بن حسين ، عن الزهري سالم ، وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فدمعت عيناه فبلغ صنيعه فقال: " يرحم الله ابن عباس أبا عبد الرحمن صنع كما صنع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين أنزلت ونسختها الآية التي بعدها لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت معنى [ ص: 122 ] نسختها نزلت بنسختها سواء وليس هذا من الناسخ والمنسوخ في شيء ". أن عبد الله بن عمر، تلا
296 - قرئ على عبد الله بن الصقر بن نصر ، عن ، قال: أخبرنا زياد بن أيوب هشيم ، قال: أخبرنا شيبان ، عن ، قال: لما نزلت [ ص: 123 ] الشعبي وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله لحقتهم منها شدة حتى نسخها ما بعدها " وفي هذا معنى لطيف وهو أن يكون معنى نسختها نسخت الشدة التي لحقتهم أي أزالتها كما يقال نسخت الشمس الظل أي أزالته ومن حسن ما قيل في الآية وأشبهه بالظاهر قول ابن عباس إنها عامة يدلك على ذلك.
297 - ما حدثناه أحمد بن علي بن سهل ، قال: حدثنا زهير وهو ابن حرب ، قال: أخبرنا عن إسماعيل وهو ابن علية ، عن هشام وهو الدستوائي ، عن قتادة ، قال: قال رجل صفوان بن محرز لابن عمر: قال: سمعته يقول: " يدني المؤمن من ربه تعالى حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته، فأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله جل وعز كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ " ففي هذا الحديث حقيقة [ ص: 124 ] معنى الآية وأنه لا نسخ فيها وإسناده إسناد لا يدخل القلب منه لبس وهو من أحاديث أهل السنة والجماعة.
[ ص: 125 ]