الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              مسألة: لا يجوز الوضوء بشيء من الأنبذة  ، وقال أبو حنيفة: يجوز نبيذ التمر المطبوخ إذا عدم الماء في السفر ، وأصحابنا يستدلون بقوله تعالى: فلم تجدوا ماء فتيمموا .

                                                              29 - وبما أخبرنا به الكروخي ، قال أنبأنا أبو عامر الأزدي ، وأبو بكر الغورجي ، قالا أنبأنا الجراحي ، قال حدثنا المحبوبي ، قال حدثنا الترمذي ، حدثنا محمد بن بشار ، قال حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال حدثنا سفيان ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن عمرو بن بجدان ، عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصعيد الطيب طهور المسلم ، وإن لم يجد الماء عشر سنين  قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، [ ص: 52 ] احتج المخالف بحديثين؛ أحدهما عن ابن مسعود والثاني عن ابن عباس فأما حديث ابن مسعود فله ستة طرق: الطريق الأول:

                                                              30 - أخبرنا هبة الله بن محمد بن الحصين ، قال أنبأنا الحسن بن علي التميمي ، أنبأنا أحمد بن جعفر ، حدثنا عبد الله بن أحمد ، قال حدثني أبي ، قال حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا سفيان ، عن أبي فزارة العبسي ، حدثنا أبو زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود ، قال لما كان ليلة الجن قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: أمعك ماء؟ قلت: ليس معي ماء ، ولكن معي إداوة فيها نبيذ ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثمرة طيبة وماء طهور.  

                                                              31 - قال أحمد وحدثنا يحيى بن زكريا ، عن إسرائيل ، عن أبي فزارة ، عن أبي زيد ، عن ابن مسعود ، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة لقي الجن فقال: أمعك ماء؟ قلت: لا ، فقال: ما هذا في الإداوة؟ فقلت: نبيذ ، قال: أرنيها ثمرة طيبة وماء طهور ، فتوضأ منها ثم صلى بنا .

                                                              الطريق الثاني:

                                                              32 - وبالإسناد قال أحمد وحدثنا يحيى بن إسحاق ، قال أنبأنا ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج ، عن حنش الصنعاني ، عن ابن عباس ، عن عبد الله بن مسعود أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبد الله أمعك ماء؟ قال معي نبيذ في إداوة قال: اصبب علي فتوضأ ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله بن مسعود شراب وطهور [ ص: 53 ] .

                                                              الطريق الثالث:

                                                              33 - أخبرنا ابن عبد الخالق ، قال أنبأنا أبو طاهر بن يوسف ، أنبأنا أبو بكر بن بشران ، حدثنا البغوي ، قال حدثنا محمد بن عباد المكي ، حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أبي رافع ، عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ليلة الجن: أمعك ماء؟ قال: لا ، قال: معك نبيذ؟ قال: نعم ، فتوضأ به   .

                                                              الطريق الرابع:

                                                              34 - أخبرنا ابن عبد الخالق ، أنبأنا أبو طاهر ، أنبأنا أبو بكر بن بشران ، قال حدثنا الدارقطني ، حدثنا محمد بن الحسن ، حدثنا الفضل بن صالح الهاشمي ، حدثنا الحسين بن عبيد الله العجلي ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، قال سمعت ابن مسعود يقول: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فأتاهم فقرأ عليهم القرآن فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الليل: أمعك ماء يا ابن مسعود ؟ قلت: لا والله يا رسول الله إلا إداوة فيها نبيذ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثمرة طيبة وماء طهور ، فتوضأ به النبي صلى الله عليه وسلم .

                                                              الطريق الخامس:

                                                              35 - وبالإسناد حدثنا الحسن بن قتيبة ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة ، وأبي الأحوص عن ابن مسعود ، قال مر بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: خذ معك إداوة من ماء ، ثم انطلق وأنا معه ، فلما فرغت عليه من الإداوة إذا هو نبيذ ، فقلت: يا رسول الله أخطأت بالنبيذ فقال: ثمرة حلوة وماء عذب . [ ص: 54 ]

                                                              الطريق السادس:

                                                              36 - وبالإسناد حدثنا الدارقطني ، قال حدثني محمد بن أحمد بن الحسن ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي حسان ، حدثنا هشام بن خالد الأزرق ، قال حدثنا الوليد ، حدثنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد عن جده أبي سلام ، عن فلان بن غيلان الثقفي أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن بوضوء فجئته بإداوة فإذا فيها نبيذ ، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما حديث ابن عباس فله طريقان.

                                                              الطريق الأول:

                                                              37 - أخبرنا ابن عبد الخالق ، حدثنا عبد الرحمن بن أحمد ، حدثنا أبو بكر بن بشران ، حدثنا الدارقطني ، حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق ، حدثنا يحيى بن عبد الباقي ، حدثنا المسيب بن واضح ، حدثنا مبشر بن إسماعيل ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء.   [ ص: 55 ]

                                                              الطريق الثاني:

                                                              38 - وبالإسناد حدثنا الدارقطني ، حدثنا عبد الباقي بن قانع ، حدثنا السري بن سهل الجنديسابوري ، حدثنا عبد الله بن رشيد ، حدثنا أبو عبيدة مجاعة ، عن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا لم يجد أحدكم ماء ووجد النبيذ فليتوضأ به . ليس في هذه الأحاديث شيء يصح ، أما حديث ابن مسعود ففي الطريق الأول أبو زيد ، وأبو فزارة وهما مجهولان قال أحمد بن حنبل : أبو فزارة في حديث ابن مسعود رجل مجهول. قال الترمذي : وأبو زيد مجهول عند أهل الحديث لا يعرف له رواية غير هذا الحديث. قال أبو زرعة : وهذا الحديث ليس بصحيح ، فإن قيل أبو فزارة اسمه راشد بن كيسان أخرج عنه مسلم ، وكذلك قال الدارقطني : أبو فزارة في حديث النبيذ اسمه راشد بن كيسان فجوابه من وجهين: أحدهما أنهما اثنان ، فالمجهول هو الذي في هذا الحديث ، ودليل هذا قول أحمد: أبو فزارة في حديث ابن مسعود مجهول ، فاعلم أنه غير المعروف ، والثاني أن معرفة اسمه لا تخرجه عن الجهالة ، وأما الطريق الثاني فتفرد به ابن لهيعة ، قال الدارقطني: لا يحتج بحديثه وفيه حنش ، قال ابن حبان: لا يحتج به ، وأما الطريق الثالث ففيه علي بن زيد ، قال أحمد ، ويحيى: ليس بشيء ، وقال يحيى بن سعيد : هو متروك الحديث. قال الدارقطني : وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود .

                                                              [ ص: 56 ] وأما الطريق الرابع ففيه الحسن العجلي ، قال الدارقطني : كان يضع الحديث ، وقد كذب في هذا على أبي معاوية وعلى الأعمش . وأما الطريق الخامس: فيه محمد بن عيسى ، والحسن بن قتيبة ، قال الدارقطني : محمد بن عيسى ضعيف ، والحسن بن قتيبة متروك الحديث.

                                                              وأما الطريق السادس: ففيه ابن غيلان ، قال الدارقطني : هو مجهول ، ويرد أصل الحديث أن في الصحيح عن ابن مسعود أنه سئل أكنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ؟ فقال : لا.

                                                              وأما حديث ابن عباس فتفرد بالطريق الأول المسيب بن واضح ، قال الدارقطني : هو ضعيف ، وقد وهم فيه في موضعين: في ذكره ابن عباس ، وفي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ، والمحفوظ أنه من قول عكرمة غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا إلى ابن عباس ، وقد رواه المسيب مرة موقوفا غير مرفوع.

                                                              وأما الطريق الثاني: ففيه أبان بن أبي عياش وهو متروك ، قال شعبة : لأن أزني أحب إلي من أن أحدث عن أبان .

                                                              وقال يحيى: ليس حديثه بشيء ، وقال الدارقطني : هو متروك ، قال: ومجاعة ضعيف ، والمحفوظ أنه رأى عكرمة غير مرفوع.

                                                              وقد احتج الخصم بآثار منها: أن عليا رضي الله عنه أجاز الوضوء بالنبيذ  ، وهذا من رواية الحارث الأعور ، وقال علي بن المديني: الحارث كذاب ، ومن رواية مزيدة بن جابر ، قال أبو زرعة: ليس بشيء.

                                                              ومنها قول ابن عباس في ذلك وهو من رواية عبد الله بن محرر ، قال الدارقطني: هو متروك الحديث .

                                                              [ ص: 57 ] ومنها قول أبي العالية : ولا يثبت عنه . قال أبو خلدة : سألت أبا العالية عن رجل ليس عنده ماء وعنده نبيذ أيغتسل به من جنابته ؟ قال: لا ، فذكرت له ليلة الجن ، فقال: أنبذتكم هذه الخبيثة ، إنما كان زبيبا وماء.  قال هبة الله الطبري : أحاديث الوضوء بالنبيذ وضعت على أصحاب ابن مسعود عند ظهور العصبية .

                                                              التالي السابق


                                                              الخدمات العلمية