الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              فإن قال الخصم : قد نقضتم أحاديثكم الأوائل بهذه الأواخر ؛ لأنكم رويتم في الأوائل أنه تمتع ، وفي الأواخر إن سلم كيف ساق الهدي ولم يمكنه أن يفسخ ، فأنتم بين أمرين إما أن تصححوا الأوائل فيبطل مذهبكم في فسخ الحج إلى العمرة ، أو تصححوا الأواخر فيبطل احتجاجكم بأن الرسول عليه السلام تمتع . قالوا : ثم نتكلم عن أحاديثكم فنقول : أما الأوائل فمعارضة بالأواخر وبما نذكره في حجتنا ، وأما الأواخر فإنه لم يأمر أصحابه بالفسخ لفضيلة التمتع ، بل لأمر آخر وهو ما رويتم من حديث ابن عباس أن أهل الجاهلية كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور ، فأمر بفسخ الحج إلى العمرة ليخالف المشركين ، واستدلوا عليه بما .

                                                              1243 - أخبرنا ابن الحصين ، أنبأ ابن المذهب أنبأ أحمد بن جعفر ، ثنا عبد الله بن [ ص: 128 ] أحمد حدثني أبي ، قال : ثنا سريج بن النعمان ، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، قال أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث بن بلال ، عن أبيه ، قال : قلت : يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة ؟ قال : بل لنا خاصة .

                                                              1244 - وأخبرنا ابن عبد الخالق ، قال : أنبأ عبد الرحمن بن يوسف ، قال : أنبأ ابن بشران ، ثنا علي بن عمر ، ثنا أحمد بن عمرو بن عثمان ، ثنا أحمد بن عثمان بن حكيم ، ثنا أبو غسان ، قال : ثنا قيس ، عن أبي حصين ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه عن أبي ذر أنه سئل عن متعة الحج فقال : هي والله لنا أصحاب محمد خاصة ، وليست لسائر الناس إلا المحصر . والجواب أنه إذا صحت الأحاديث فلا وجه لردها ، وإنما ينبغي التمحل لها ، ووجه الجمع بين الأحاديث أنه كان قد اعتمر وتحلل من العمرة ، ثم أحرم بالحج ، وساق الهدي ، ثم أمر أصحابه بالفسخ ليفعلوا مثل فعله ؛ لأنهم لم يكونوا أحرموا بعمرة ، ومنعه من فسخ الحج إلى عمرة ثانية عمرته الأولى وسوقه الهدي ، فعلى هذا الجمع بين الأحاديث ، ولا يرد منها شيء .

                                                              فإن قالوا : كيف يصح هذا التأويل وإنما علل بسوق الهدي لا بفعل عمرة متقدمة ؟ قلنا : ذكر إحدى العلتين دون الأخرى وذلك جائز ، وقولهم : إنما أمرهم بالفسخ لمخالفة الجاهلية ، قلنا : لو كان كذلك لم يفرق بين من ساق الهدي وبين من لم يسق ثم إنه قد اعتمر في أشهر الحج ، ففي الصحيحين من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة إلا التي مع حجته . ففعله هذا يكفي في البيان لأصحابه وللمشركين أن العمرة تجوز في أشهر الحج ، فلم يحتج أن يأمر أصحابه بفسخ الحج المحترم لذلك ، وإنما فعل ذلك لأنه الأفضل ، وأما حديث ابن عباس فإنه لم يرد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسخ لأجل ما كان لهم خاصة ، قال : وحديث أبي ذر يرويه رجل من أهل الكوفة لم يلق أبا ذر ، ثم إنه ظن من أبي ذر يدل عليه حديث ابن عباس أن العمرة قد دخلت في الحج ، وحديث جابر أن سراقة ، قال : لعامنا أم للأبد ؟ قال : بل للأبد . يريد أن حكم الفسخ باق على الأبد ، احتج أصحاب أبي حنيفة بستة أحاديث .

                                                              الحديث الأول :

                                                              1245 - أخبرنا ابن عبد الواحد ، أنبأ الحسن بن علي ، أنبأ أحمد بن جعفر ، ثنا عبد الله بن أحمد ، قال : حدثني أبي هنا هشيم ، ثنا عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس بن [ ص: 129 ] مالك ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة يقول : لبيك عمرة وحجا . أخرجاه في الصحيحين .

                                                              طريق آخر :

                                                              1246 - قال أحمد ، وثنا روح بن عبادة ، ثنا شعبة ، عن يونس بن عبيد ، عن أبي قدامة الحنفي ، قال : قلت لأنس بن مالك : بأي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ؟ فقال : سمعته يقول سبع مرات بعمرة وحجة بعمرة وحجة . .

                                                              طريق آخر :

                                                              1247 - أخبرنا ابن عبد الخالق ، أنبأ عبد الرحمن بن أحمد ، ثنا محمد بن عبد الملك ، ثنا علي بن عمر الحافظ ، ثنا ابن صاعد ، ثنا الحسين بن الحسن المروزي ، ثنا يزيد بن زريع ، عن يونس بن عبيد ، عن حميد ، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لبيك بحجة وعمرة معا .

                                                              الحديث الثاني :

                                                              1248 - أخبرنا ابن عبد الواحد ، أنبأ الحسن بن علي ، أنبأ أحمد بن جعفر ، ثنا عبد الله بن أحمد ، قال : حدثني أبي ، ثنا الوليد بن مسلم ، قال : ثنا الأوزاعي أن يحيى بن أبي كثير حدثه عن عكرمة مولى ابن عباس ، قال : سمعت ابن عباس يقول : سمعت عمر بن الخطاب يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو بالعقيق : أتاني الليلة آت من ربي عز وجل فقال : صل في هذا الوادي المبارك ، وقل : عمرة في حجة . قال الوليد : يعني ذا الحليفة . انفرد بإخراجه البخاري .

                                                              الحديث الثالث :

                                                              1249 - وبالإسناد قال أحمد ، وثنا سفيان ، عن عبدة بن أبي لبابة ، عن أبي وائل ، قال : قال الصبي بن معبد : كنت نصرانيا فأسلمت ، وأهللت بالحج والعمرة ، فسمعني زيد بن صوحان ، وسلمان بن ربيعة وأنا أهل بهما ، فقالا : لهذا أضل من بعير أهله . فكأنما حمل علي بكلمتهما جبل ، فقدمت على عمر فأخبرته ، فأقبل عليهما فلامهما ، ثم أقبل علي فقال : هديت لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، هديت لسنة النبي صلى الله عليه وسلم .

                                                              الحديث الرابع :

                                                              1250 - وبالإسناد قال أحمد وثنا أبو معاوية ، ثنا حجاج ، عن الحسن بن سعد ، عن ابن عباس ، قال : أخبرني أبو طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الحج والعمرة [ ص: 130 ] .

                                                              الحديث الخامس :

                                                              1251 - وبه قال أحمد وثنا يونس ، ثنا داود بن عبد الرحمن ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر ؛ عمرة الحديبية ، وعمرة الأقصى في ذي القعدة من قابل ، والثالثة من الجعرانة ، والرابعة التي مع حجته .

                                                              الحديث السادس :

                                                              1252 - وبه قال أحمد ، وثنا مكي بن إبراهيم ، ثنا داود بن زيد ، قال : سمعت عبد الملك الزراد يقول : سمعت النزال بن سبرة يقول : سمعت سراقة يقول : وقرن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع . والجواب أما حديث أنس فجوابه من ثلاثة أوجه ؛ أحدها أن أحاديثنا أصح وأكثر ، ورواتها أكابر الصحابة مثل علي ، وسعد ، وابن عمر ، والثاني أن أنسا كان صبيا حينئذ فلعله ما فهم ، الحال يدل على هذا أن ابن عمر رد عليه ما قال ، فروى الجوزقي في كتابه المخرج على الصحيحين من حديث بكر بن عبد الله ، قال : قال ابن عمر ، وهل أنس إنما أهل بالحج .

                                                              والثالث أن قول أنس قد تأوله بعض العلماء فقال : يحتمل أن يكون أنس سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم بعض الناس ، وأما حديث عمر ففي بعض ألفاظ الصحيح عمرة وحجة ، واللفظ الذي ذكرتموه محمول على معنى تحصيلهما جميعا ؛ لأن عمرة المتمتع واقعة في أشهر الحج ، وعلى هذا نحملها في الأحاديث ، وأما حديث ابن عباس فقال الترمذي : صحيحه موقوف على عكرمة .

                                                              واحتج أصحاب الشافعي بثلاثة أحاديث الحديث الأول :

                                                              1253 - أخبرنا هبة الله بن محمد ، أنبأ الحسن بن علي ، ثنا أحمد بن جعفر ، ثنا عبد الله بن أحمد ، قال : حدثني أبي ، ثنا عبد الرحمن ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج . انفرد بإخراجه مسلم .

                                                              الحديث الثاني :

                                                              1254 - أخبرنا ابن عبد الخالق ، أنبأ عبد الرحمن بن أحمد ، أنبأ محمد بن عبد الملك ، ثنا علي بن عمر الدارقطني ، ثنا البغوي ، قال : ثنا صلت بن مسعود ، ثنا عباد بن عباد ، ثنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا . [ ص: 131 ] .

                                                              1255 - قال الدارقطني : وثنا ابن مخلد ، ثنا علي بن محمد بن معاوية ، ثنا عبد الله بن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل عتاب بن أسيد على الحج فأفرد ثم استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد الحج ، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر فأفرد الحج ، ثم استخلف أبا بكر فتعب عمر فأفرد الحج ، ثم استخلف عمر فتعب عبد الرحمن بن عوف فأفرد الحج ثم حصر عثمان فأقام عبد الله بن عباس للناس فأفرد الحج .

                                                              الحديث الثالث :

                                                              1256 - أنبأنا الماوردي ، قال : أنبأ أبو علي التستري ، أنبأ أبو عمر الهاشمي ، ثنا أبو علي اللؤلؤي ، ثنا أبو داود ، ثنا قتيبة ، ثنا الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : أقبلنا مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا . والجواب أما حديث عائشة فجوابه من سبعة أوجه ؛ أحدها أنه من إفراد مسلم ، وقد روينا عنها في المتفق عليه ضد هذا ، وذلك مقدم ، والثاني أن أحاديثنا أصح وأكثر ، والثالث أن أحاديثنا تتضمن زيادة فهي أولى ، والرابع أنه محمول على أنه إفراد أعمال العمرة عن أعمال الحج ، وكذلك يفعل المتمتع ، والخامس أنا نحمله على أنه لما فرغ من عمرته أحرم بحج مفرد لم يضف إليه عمرة أخرى ، والسادس أنا نقول : قد رووا أنه أفرد وقرن وأن الأحاديث تعارضت فقد بقي لنا ما لا خلاف فيه أنه أمر أصحابه بالفسخ للتمتع ، وتأسف إذ لم يمكنه ذلك لسوق الهدي ، فقال : لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة . ولولا أن التمتع هو الأفضل لم يأمر به ، ولم يأسف عليه ، والسابع أنه قد نقل أبو طالب ، عن أحمد أنه قال : كان هذا في المدينة يعني ما نقل أنه أفرد ، فلما وصل إلى مكة فسخ على أصحابه ، وتلهف على التمتع فدل أنه الأفضل لأنه آخر الأمرين من رسول الله ، وهذا المعتمد عليه في جواب حديث جابر ، وأما حديث ابن عمر ففي إسناده عبد الله بن نافع ، قال يحيى : ليس بشيء . وقال النسائي : متروك الحديث . وفيه عبد الله بن عمر العمري ، قال يحيى : ضعيف . وقال ابن حبان : يستحق الترك .

                                                              التالي السابق


                                                              الخدمات العلمية