الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث النبي صلى الله عليه: إن فاطمة بنت قيس أتته تستأذنه وقد خطبها أبو جهم ومعاوية فقال: "أما أبو جهم فأخاف عليك قسقاسته: العصا وأما معاوية فرجل أخلق من المال" قالت فتزوجت أسامة بن زيد بعد ذلك.  

أخبرناه محمد بن هاشم ثنا الدبري عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أخبرني عبد الرحمن بن عاصم بن ثابت أن فاطمة لما طلقها زوجها قال لها النبي صلى الله عليه: "انتقلي إلى أم مكتوم فاعتدي عندها" ثم قال: " لا إن أم مكتوم امرأة يكثر عوادها ولكن انتقلي إلى عبد الله فإنه أعمى" فانتقلت إليه حتى انقضت عدتها ثم خطبها أبو جهم ومعاوية .. الحديث" .

قوله: " يكثر عوادها" يريد زوارها ومن يغشاها من الضيفان، وقد [ ص: 96 ] روي من طريق آخر أنها امرأة يكثر أضيافها وكل من أتاك مرة بعد أخرى فهو عائد قال الأعشى:


فانهى خيالك يا جبير فإنه في كل منزلة يعود وسادي

أراد أنه يزوره ويطرقه ليلا.

وكان بعض أهل اللغة يقول إنما سمي يوم العيد لهذا المعنى لتكرره وعوده لأوقاته من السنة وأنشد لبعضهم:


عاد قلبي من التذكر عيد

.

وقال بعضهم إنما سمي عيدا لأنه يوم يعود فيه الفرح إلى المسلمين وكلاهما قريب.

وقوله "أخاف عليك قسقاسته: العصا" فإن القسقاسة العصا بعينها وذكره العصا على أثرها تفسير لها وإبانة عنها كأنه يقول أعني العصا. يقس دابته أي يسوقها ويقال ما زال يقسقس الليلة كلها إذا أدأب السير قال الشماخ:


ودلج الليل وهاد قسقاس

.

وقال الأصمعي: خمس قسقاس، وحثحاث وقعقاع وصبصاب وحصحاص: كل هذا سير ليست فيه وتيرة والمعنى أن أبا جهم سيئ الخلق، [ ص: 97 ] سريع إلى التأديب والضرب وفي أكثر الروايات أنه قال إن أبا جهم لا يضع عصاه عن عاتقه يريد هذا المعنى وذلك أن الضارب بالعصا لا يزال رافعا لها إلى عاتقه ما دام يضرب.

وفيه وجه آخر وهو أن يكون أراد بهذا القول كثرة أسفاره ودوام غيبته عن أهله يقول لا حظ لك في صحبته لأنه يكثر الظعن ويقل المقام كنى بالعصا عن نوى السفر يقال رفع فلان عصا السير إذا سافر وألقى عصاه إذا أقام قال الشاعر:


فألقت عصاها واستقرت بها النوى     كما قر عينا بالإياب المسافر

ويقال للراعي إذا كان قليل الضرب لإبله بعصاه إنه لصلب العصا يريد أن عصاه صلبة صحيحة لأنه لا يعملها فتشظى وتكسر فإذا أكثر الضرب بها قيل له ضعيف العصا وهو المحمود لأنه يحملها بذلك على الرعي ويسوقها إلى الأماكن المعشبة قال الشاعر:


ضعيف العصا بادي العروق ترى له     عليها إذا ما أمحل الناس إصبعا

فأما قول الآخر:


صلب العصا بالضرب قد دماها     تحسبه من حبها أخاها
يقول: ليت الله قد أفناها

[ ص: 98 ] فإنه قد ألغز في هذا القول وأراد بالضرب السير في البلاد في طلب الرعي ومعنى دماها صيرها كالدمى سمنا جمع دمية وأفناها أنبت لها الفنا وهو فيما يقال الزعرور.

وقوله: أخلق من المال معناه خلو عار منه وأصله في الشيء الأملس الذي لا يمسك شيئا يقال: حجر أخلق أي أملس زلال وصخرة خلقاء قال الشاعر:


قد يترك الدهر في خلقاء راسية     وهنا وينزل منها الأعصم الجذعا

وفي رواية أخرى: "أما معاوية فإنه رجل عائل" والعائل الفقير يقال عال الرجل يعيل إذا افتقر قال الشاعر:


فما يدري الفقير متى غناه     ولا يدري الغني متى يعيل

وفي الحديث أنواع من الفقه منها إباحة تأديب النساء  ولو كان غير جائز لم يذكر ذلك من فعله إلا مقرونا بالنهي عنه والإنكار له ومنها أن المال معتبر في باب المكافأة وفيه دلالة على أنه إذا لم يجد نفقة أهله وطلبت فراقه فرق بينهما.  

وبلغني عن سفيان بن عيينة أنه قال لوكيع بن الجراح وهو يذاكره ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الحسب المال" فقال وكيع أراد أن الرجل إذا [ ص: 99 ] كان ذا مال عظمه الناس فقال سفيان ليس كذلك إنما هو قول أهل المدينة إذا لم يجد نفقة زوجته فرق بينهما.

حدثنيه بعض أصحابنا نا محمد بن عبد الله بن الجنيد نا سويد أنا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه قال: "أحساب أهل الدنيا المال" .

ومما يحتج به في هذا الباب حديث أبي هريرة حدثنا أحمد بن سلمان النجاد نا إسماعيل بن إسحاق نا الحجاج بن المنهال نا حماد عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى وليبدأ أحدكم بمن يعول تقول امرأة الرجل أطعمني أو طلقني يقول ولده إلى من تكلني يقول خادمه استعملني وأطعمني" .

وفيه من الفقه جواز نكاح المولى القرشية.  

وفيه أيضا باب من الرخصة ومذهب لحمل الكلام على سعة المجاز وذلك أنه قد روي في هذا الحديث من غير هذا الوجه أنه قال: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له" . وقد كان لا محالة يضعها في حال من الأحوال وقد كان لمعاوية مال وإن قل [ ص: 100 ] .

وفيه أيضا من الفقه جواز ذكر ما في الإنسان من عيب إذا لم يقصد به المذمة له وأن ذلك ليس من باب الغيبة.  

وفيه أيضا من الفقه أن للمبتوتة السكنى  وذلك أن النبي عليه السلام قد أوجبها لفاطمة بقوله: "اعتدي عند ابن أم مكتوم". وكانوا لا يكرون المنازل ويتبرعون بالإعارة ثم إنه قد ذهب عليها معرفة السبب في نقله إياها عن بيت أهلها فتوهمته إبطالا لسكناها فقالت عند ذلك لم يجعل لي النبي عليه السلام سكنى ولا نفقة فكان إخبارها عن أحد الأمرين علما وعن الآخر وهما وهو السكنى وبين السبب في ذلك سعيد بن المسيب.

أخبرنا محمد بن هاشم أنا الدبري عن عبد الرزاق عن عبد الله بن محرر عن ميمون بن مهران ومعمر عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال سألت ابن المسيب أتخرج المطلقة الثلاث من بيتها؟ فقال: لا، قلت: فأين حديث فاطمة؟ قال تلك امرأة فتنت الناس كانت لسنة على أحمائها " يتأول قول الله ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة .

قال ابن عباس: هو أن تبذأ على أهلها.

حدثنا مكرم بن أحمد نا إبراهيم بن الهيثم البلدي نا آدم بن أبي [ ص: 101 ] إياس نا ابن أبي ذئب نا سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة أن فريعة وهي ابنة مالك قتل زوجها بطرف القدوم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: زوجي قتل وأنا في وحشة، "فقال لها لا عليك أن تنتقلي" ثم قال لها: " تعالي لا تبرحي حتى يبلغ الكتاب أجله" .

وفي هذا الحديث من الفقه جواز نسخ الشيء قبل تنفيذ العمل به.  

التالي السابق


الخدمات العلمية