الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "رأيت جدود العرب، فإذا جد بني عامر بن صعصعة جمل آدم مقيد بعصم، يأكل من فروع الشجر".

حدثنيه إسماعيل بن محمد، حدثنا ابن حرب، نا أحمد بن زهير، نا موسى [ ص: 461 ] بن إسماعيل، نا حماد بن سلمة، عن الجريري، عن أبي العلاء.

الجمل الآدم هو الأبيض مع سواد المقلتين، فإن خالطته حمرة فهو أصهب، فإن خالطت بياضه شقرة فهو أعيس.

وقال الأموي عبد الله بن سعيد: قيل لابن لسان الحمرة أخبرنا عن الإبل فقال: حمراها صبراها، وعيساها حسناها، وورقاها غزراها، ولا أبيع جونة ولا أشهد مشراها أي: لا أشهد مبيعها.

وقوله: مقيد بعصم، فإن العصم ما يبقى من آثار البول والهناء على أفخاذ الإبل، وهو العصيم أيضا.  قال المتلمس:


أصبحوا لائطي المحلة في عج ل كما لاط مجرب بعصيم



قال الأصمعي: العصم أثر كل شيء من ورس أو زعفران أو نحوه. قال: وسمعت امرأة من العرب تقول: أعطني عصم حنائك أي: ما سلت منه، والمعنى أنه وصفه بالخصب وكثرة الرعي يريد أن العصم صار كالقيد له، ويدل على صحة هذا التأويل حديث أبي هريرة، قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن بني عامر، فقال: "جمل متفاج، يتناول من أطراف الشجر".

والمتفاج الذي لا يزال يفرج ما بين رجليه ليبول، وإنما يكثر بوله للخصب. والعبس مثل العصيم، قال أبو النجم يصف ذلك:

[ ص: 462 ]


كأن في أذنابهن الشول     من عبس الصيف قرون الأيل



وفيه وجه آخر، وهو أن يكون العصم جمع العصام، وهو مساك كل شيء ورباطه، ومنه عصام المحمل، وهو شكاله وقيده، ومنه عصام القربة.

وأخبرني ابن الزئبقي، نا الكديمي، نا الأصمعي قال: أتيت بعض البوادي فإذا غلام بيده قربة مملوءة ممسك عصامها، وهو يقول: يا أبه أدرك القربة، أدرك فاها، غلبني فوها، خرج الماء من فيها، فتعجبت من إعرابه، والمعنى أن خصب بلاده قد حبسه بفنائه فهو لا يبعد في طلب المرعى، فصار بمنزلة المقيد الذي لا يبرح مكانه، ومن هذا قول قيلة في الدهناء: إنها مقيد الجمل أي: أن الجمل إذا وجدها كان فيها كالمقيد لا ينزع إلى غيرها من البلاد.

ومثله حديث جرير بن عبد الله البجلي ووصف خصب بلاده، فقال: لا يقام ماتحها، ولا يحسر صابحها، ولا يعزب سارحها، فالصابح الذي يصبح الإبل أي: يسقيها صباحا، يقول: لا يعيا في سقيها، ولا يشق عليه ذلك؛ لأن سقيها تشريع ليس بنزع ولا متح.

وقوله: لا يعزب سارحها.  فالسارح من النعم ما سرح أي: رعى يريد أنه لا يبعد في طلب المرعى، وأنشد سلمة صاحب الفراء، قال: ولا أعلمه إلا عن الأصمعي:


إنك يا عمرو وترك الندى     كالعبد إذ قيد أجماله



يقول: لأنه إذا وجد موضع الكلأ والخصب ثبت به، ولم يجاوزه، فكأنه قيدها.

[ ص: 463 ]

وقال رجل من مزينة:


خليلي بالبوباة عوجا فلا أرى     بهما منزلا إلا جديب المقيد



وأخبرنا أبو عمر، أنا أبو العباس ثعلب، أنا أبو نصر، عن الأصمعي، قال العرب تقول في صفة الكلأ: كلأ الحابس فيه كالمقيم، وكلأ المقيم فيه كالمسافر. وقوله: يأكل من فروع الشجر فإنه يصفه بالسنق والامتلاء، يقول: إنه يستطرف ويتعلل بما طاب من فروع الشجر.

التالي السابق


الخدمات العلمية