الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث النبي صلى الله عليه: أنه لما كان ليلة ولد فيها رسول الله ارتجس إيوان كسرى،  فسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك ألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا، وقد قطعت الدجلة وانتشرت في بلادها، فبعث كسرى عبد المسيح بن عمرو الغساني إلى سطيح يستخبره [ ص: 623 ] علم ذلك، ويستعبره رؤيا الموبذان، فقدم عليه وقد أشفى على الموت، فسلم عليه فلم يحر إليه سطيح جوابا، فأنشأ عبد المسيح يقول:


أصم أم يسمع غطريف اليمن أم فاد فازلم به شأو العنن     يا فاصل الخطة أعيت من ومن
أتاك شيخ الحي من آل سنن     وأمه من آل ذئب بن حجن
أبيض فضفاض الرداء والبدن     رسول قيل العجم يسري للوسن
لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن     تجوب بي الأرض علنداة شزن
يرفعني وجن وتهوي بي وجن     حتى أتى عاري الجآجي والقطن
تلفه في الريح بوغاء الدمن

فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه فقال: عبد المسيح، على جمل مشيح، جاء إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا، قد قطعت الدجلة وانتشرت في بلادها.

عبد المسيح، إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وخمدت نار فارس، وغاضت بحيرة ساوة، وغاض وادي السماوة، فليست الشأم لسطيح شأما، ولا بابل للفرس مقاما، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت، ثم قضى سطيح مكانه.


[ ص: 624 ] حدثنيه محمد بن الحسين بن إبراهيم، نا إبراهيم بن إدريس المعقلي، نا علي بن حرب، نا أبو أيوب يعلى بن عمران البجلي. ذكر أنه من آل جرير، حدثني هانئ بن هانئ، وأتت له خمسون ومائة سنة.. الحديث.

الغطريف: السيد. رجل غطريف من قوم غطارفة. وقوله: ففاد، أي مات، يقال: فاد الرجل يفود إذا مات. وفاد يفيد إذا تبختر. قال بشر بن أبي خازم:


يا فارسا ما فاد أول فارس     ثقفا إذا انفلت العنان من اليد

ورواه بعضهم: فاز، ومعناهما واحد.

يقال: فاز الرجل وفوز إذا مات، وسميت المفازة لأنها مهلكة.

وقوله: فازلم به شأو العنن، سمعت أبا عمر يقول: سألت أبا العباس، عن ذلك فقال: ازلم: قبض. والشأو: السباق إلى غاية. والعنن هاهنا الموت، يريد أن الموت عرض له فقبضه. يقال عن لي أمر أي عرض.

وقوله: يا فاصل الخطة أعيت من ومن. قال أبو العباس هذا كما يقال: أعيت فلانا وفلانا. قال: وقد يعمل فيه الإعراب إذا قيل: رأيت رجلا، قلت: منا، وإذا قيل: رأيت رجلين قلت: منين. وفي الجميع منون. قال وأنشد الفراء:


أتوا ناري فقلت منون أنتم     فقالوا الجن قلت عموا ظلاما



[ ص: 625 ] وقوله: فضفاض الرداء والبدن، فإن الفضفاض الواسع. وسعة الرداء والبدن كناية عن سعة الصدر، ورحب الذراع من لابسه ؛ قال الشاعر:


معي كل فضفاض القميص كأنه     إذا ما سرى فيه المدام فنيق

أراد بالقميص ما يشتمل عليه القميص من بدن لابسه، وهذا كما قيل للرجل السخي: إنه لغمر الرداء ؛ قال الشاعر:


غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا     غلقت لضحكته رقاب المال

وأنشدونا عن ابن الأنباري:


رموها بأثواب خفاف فلن ترى     لها شبها إلا النعام المنفرا

أراد بالأثواب الأبدان، ومثله كثير. والعلنداة: البعير الصلب. قال ابن الأعرابي: يقال: ناقة علنداه، وجمل علنداه بالهاء، وتجمع على العلاند والعلنديات. والشزن: المعيى من الحفا. يقال: شزن البعير شزنا. وقد يكون الشزن: الذي يمشي في شق. والشزن: الناحية، والشزن الحزونة. ويقال: بات فلان على شزن، أي على قلق يتقلب من جنب إلى جنب، قال ابن هرمة:


إلا تقلب مكروب على شزن     كما تقلب تحت القرة الصرد [ ص: 626 ]



وقوله: يرفعني وجن؛ فإنه جمع وجين. قال أبو عمر: وهو العارض من الأرض ينقاد، وهو غليظ لم يزل هذا البعير يرفعني مرة ويخفضني أخرى. والجآجئ: عظام الصدر. والقطن ما بين الوركين. يقول: إن السير قد هزلها، وأخذ من لحمها حتى عري منه، فبدت عظامه، والبوغاء: دقاق التراب. وقوله: أوفى على الضريح يريد القبر المضروح، وهو المشقوق في الأرض طولا، فإذا كان ملحودا لم يسم ضريحا. والمشيح: الجاد. قال عمرو بن الإطنابة:


وضربي هامة البطل المشيح



ويقال أيضا: رجل شيحان. قال تأبط شرا:


إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل     له كالئ من قلب شيحان فاتك



التالي السابق


الخدمات العلمية