الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
507 - وقال أبو عبيد في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه "نهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. ونهى عن عقوق الأمهات ووأد البنات، ومنع وهات"   [قال أبو عبيد] : يقال: إن قوله: "إضاعة المال" [أن] يكون في وجهين أما أحدهما وهو الأصل فما أنفق في معاصي الله - عز وجل - وهو السرف الذي عابه الله [تبارك وتعالى] ونهى عنه فيما أخبرني به [ ص: 412 ] "ابن مهدي" أن كل ما أنفق في غير طاعة الله [سبحانه] من قليل أو كثير فهو سرف.

والوجه الآخر دفع المال إلى ربه وليس له بموضع، ألا تراه قد حصن أموال اليتامى، فقال [تبارك وتعالى] : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم وأشهدوا عليهم".

قال أبو عبيد: حدثنا "جرير بن عبد الحميد"، عن "منصور"، عن "مجاهد"، في قوله: فإن آنستم منهم رشدا قال: العقل.

حدثنا أبو عبيد: قال: حدثنا "يزيد"، عن "هشام"، عن "الحسن" قال: صلاحا في دينه وحفظا لماله [ ص: 413 ] .

قال أبو عبيد: هذا هو الأصل في الحجر على المفسد لماله، ألا تراه قد أمر بمنع اليتيم ماله، فهل يكون الحجر إلا هكذا؟ ومنه قوله [تعالى] : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما

وكذلك قوله [سبحانه] : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام فهذا كله وأشباهه فيما نهى الله [سبحانه] عنه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من إضاعة المال.

وقوله: "وكثرة السؤال"  فإنها مسألة الناس أموالهم، وقد يكون أيضا من السؤال عن الأمور، وكثرة البحث عنها، كما قال [سبحانه] : لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم [ ص: 414 ] .

وكما قال: ولا تجسسوا

وأما قوله: "ووأد البنات"  فهو من الموءودة، وذلك أن الرجال كانوا يفعلون ذلك ببناتهم في الجاهلية، كان أحدهم ربما ولدت له البنت فيدفنها، وهي حية حين تولد، ولهذا كانوا يسمون القبر صهرا أي [إني] قد زوجتها منه، قال الشاعر:


سميتها إذ ولدت تموت




والقبر صهر ضامن زميت




يا بنت شيخ ماله سبروت



يقال: أرض سباريت، والواحدة سبروت، وهي الأرض التي لا شيء فيها [ ص: 415 ] .

قال أبو عبيد، فهذا ما في الحديث من الفقه.

وفي قوله: "نهى عن قيل وقال" نحو وعربية وذلك أنه جعل القال مصدرا، ألا تراه يقول: عن قيل وقال، فكأنه قال: عن قيل وقول، يقال على هذا: قلت قولا وقيلا وقالا.

قال أبو عبيد: وسمعت الكسائي، يقول في قراءة "عبد الله": "ذلك عيسى بن مريم قال الحق [الذي فيه تمترون] " فهذا من هذا، كأنه قال: قول الحق.

التالي السابق


الخدمات العلمية