الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
586 - وقال أبو عبيد في حديث عمر [رضي الله عنه ] حين قيل [ ص: 172 ] له : "إن النساء قد اجتمعن يبكين على خالد بن الوليد ، فقال : "وما على نساء بني المغيرة أن يسفكن من دموعهن على "أبي سليمان " ما لم يكن نقع ولا لقلقة " .

قال : حدثناه جرير ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن عمر .

قال : وحدثنا مروان بن معاوية الفزاري ، عن الحسن بن عمرو ، عن أبي وائل ، عن عمر مثله ، إلا أنه زاد فيه : "أن يسفكن من دموعهن وهن جلوس " .

قال "الكسائي " في قوله : "نقع ولا لقلقة " : النقع : صنعة الطعام ، يعني في المأتم يقال منه : نقعت أنقع نقعا .

قال أبو عبيد : وغير هذا التأويل أحب إلي منه ، وذلك أن الكسائي ذهب بالنقع [ ص: 173 ] إلى النقيعة ، وإنما النقيعة عند غيره من العلماء صنعة الطعام عند القدوم من سفر لا في المأتم ، قال الشاعر :


إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم ضرب القدار نقيعة القدام

يعني بالقدام القادمين من السفر . وقد قال بعضهم : القدام : الملك .

والكلام الأول أشبه .

والقدار : الجزار .

وأما النقع الذي في حديث "عمر " فإنه عندنا رفع الصوت .

على هذا رأيت قول الأكثر من أهل العلم ، وهو أشبه بالمعنى .

ومنه قول "لبيد " :


فمتى ينقع صراخ صادق     يحلبوها ذات جرس وزجل

يقول : متى ما سمعوا صارخا أحلبوا الحرب . يقول : جمعوا له .

وقوله : ينقع صراخ ، يعني رفع الصوت ، ومما يحقق ذلك المعنى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : "ليس منا من صلق أو حلق أو خرق " .  

فقوله : صلق يعني رفع الصوت ، يقال : بالسين والصاد [ ص: 174 ] .

وقال بعضهم : يريد عمر بالنقع : وضع التراب على الرأس ، يذهب إلى أن النقع هو الغبار ، ولا أحسب "عمر " ذهب إلى هذا ، ولا خافه منهن وكيف يبلغ خوفه ذا ، وهو يكره لهن القيام ، فقال : يسفكن من دموعهن وهن جلوس .

وقال بعضهم : النقع : شق الجيوب ، وهذا الذي لا أدري ما هو ولا أعرفه ، وليس النقع عندي في هذا الحديث إلا الصوت الشديد .

وأما اللقلقة : فشدة الصوت ، لم أسمع فيها اختلافا .

التالي السابق


الخدمات العلمية