الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
592 - قال أبو عبيد في حديث عمر [رضي الله عنه ] حين خطب الناس ، فقال : "ألا لا تغالوا صدق النساء ؛  فإن الرجل يغالي بصداق المرأة حتى يكون ذلك لها في قلبه عداوة ، يقول : جشمت إليك علق القربة أو عرق القربة " .

قال : حدثناه يزيد ، عن هشام ، عن ابن سيرين عن أبي العجفاء السلمي ، عن عمر [ ص: 183 ] .

قال : قال أبو العجفاء : وكنت رجلا عربيا مولدا ، فلم أدر ما علق القربة ، أو عرق القربة .

قال أبو عبيد : وفي هذا الحرف اختلاف كبير .

قال الكسائي : وعرق القربة : أن يقول : نصبت لك ، وتكلفت حتى عرقت كعرق القربة ، وعرقها : سيلان مائها .

وقال أبو عبيدة : عرق القربة : أن يقول : تكلفت إليك ما لم يبلغه أحد حتى تجشمت ما لا يكون ، لأن القربة لا تعرق .

قال [ أبو عبيد ] : يذهب أبو عبيدة إلى مثل قول الناس : حتى يشيب الغراب ، وحتى يبيض القار ، ومثل قولهم : الأبلق العقوق ، والعقوق : الحامل وأشباه ذلك مما علم أنه لا يكون .

قال أبو عبيد : ولأبي عبيدة فيه وجه آخر . قال : فإذا قال : علق القربة ، فإن علقها عصامها الذي تعلق به ، فيقول : تكلفت لك كل شيء حتى عصام القربة [ ص: 184 ] .

قال أبو عبيد : وحكي لي عن "يونس البصري " أنه قال : عرق القربة منقعتها ، يقول : جشمت إليك ، حتى احتجت إلى نقع القربة ، وهو ماؤها ، يعني في الأسفار ، وأنشد لرجل أخذ سيفا من رجل ، فقال :


سأجعله مكان النون مني وما أعطيته عرق الخلال

قال أبو عبيد : يقول : لم أعطه عن مودة من المخالة والصداقة ، ولكن أخذته قسرا .

والحديث في شعر بني عبس ، واضح أنه أسره ، وأخذ سيفه ذا النون .

وقال غير هؤلاء من العلماء : عرق القربة : بقايا الماء فيها ، واحدتها عرقة .

ويروى عن "أبي الخطاب الأخفش " أنه قال : العرقة : السفيفة التي يجعلها الرجل على صدره إذا حمل القربة ، سماها عرقة ، لأنها منسوجة .

قال " الأصمعي " : عرق القربة : كلمة معناها الشدة ، قال : ولا أدري ما أصلها .

قال الأصمعي : سمعت ابن أبي طرفة ، - وكان من أفصح من رأيت - يقول :

سمعت شيخاننا يقولون : لقيت من فلان عرق القربة : يعنون الشدة ، وأنشدني [ الأصمعي ] لابن أحمر [ ص: 185 ] :


ليست بمشتمة تعد وعفوها     عرق السقاء على القعود اللاغب

قال أبو عبيد : أراد أنه يسمع الكلمة تغيظه ، وليست بشتم ، فيأخذ صاحبها بها ، وقد أبلغت إليه كعرق السقاء على القعود اللاغب . أراد بالسقاء القربة ، فقال : عرق السقاء لما لم يمكنه الشعر ، ثم قال : على القعود اللاغب ، وكان معناه أن تعلق القربة على القعود في أسفارهم ، وهذا المعنى شبيه بما كان "الفراء " يحكيه :

زعم أنهم كانوا في المفاوز في أسفارهم يتزودون الماء ، فيعلقونه على الإبل ، يتناوبونه ، فكان في ذلك تعب ومشقة على الظهر ، وكان الفراء يجعل هذا التفسير في علق القربة باللام .

التالي السابق


الخدمات العلمية