الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
594 - وقال أبو عبيد في حديث عمر - رضي الله عنه - أنه قضى في الأرنب بحلان ، يعني إذا قتلها المحرم   [ ص: 188 ] .

قال : حدثناه ابن مهدي ، عن سفيان [الثوري ] ، عن سماك بن حرب ، عن النعمان بن حميد ، عن عمر .

قال " الأصمعي " وغيره : قوله : الحلان ، يعني الجدي ، وأنشدني [ذلك ] :


تهدي إليه ذراع الجدي تكرمة إما ذكيا وإما كان حلانا

ويروى : "إما ذبيحا " فالذبيح : الذي قد أسن ، وأدرك أن يضحى به ، فهو يجوز أن يكون ذبيحا وذبحا .

وأما قوله : وإما كان حلانا ، فإنه يعني الصغير الذي لا يجزئ في الأضحية . وأما الذكي فهو الذي يذكى بالذبح .

وقد سمعت في الحلان غير هذا .

يقال : إن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا ولد له جدي حز في أذنه حزا ، أو قطع منها شيئا ، وقال : اللهم إن عاش فقني وإن مات فذكي .

قال : فإن عاش الجدي فهو الذي أراد ، وإن مات قال : قد كنت ذكيته بالحز ، فاستجاز أكله بذلك [ ص: 189 ] .

وهذا التفسير يجوز في هذا الشعر .

فأما "عمر " فإنه لم يرد بالحلان إلا الجدي نفسه ، فجعله اسمه ، إن كان فيه الحز ، أو لم يكن .

يقول : على هذا المحرم - الذي قتل أرنبا - أن يذبح جديا .

وفي الحلان أيضا لغة أخرى : الحلام - بالميم - وربما شبهوا الميم بالنون ، حتى يجعلوهما في قافية ، قال : أنشدني "الأحمر " :

يا رب جعد فيهم لو تدرين

يضرب ضرب السبط المقاديم

فجمع بين الميم والنون في قافية ، وذلك لقرب مخرج أحدهما من الآخر .

وهذا كقولهم : أغمطت عليه الحمى ، وأغبطت ، وقال "المهلهل " :

كل قتيل في كليب حلام

حتى ينال القتل آل همام

يقول : كلهم ناقص ليس بكفء لكليب ، ولا فيهم وفاء بدمه ، كما أن الجدي ليس فيه وفاء بالمسن ، إلا آل همام ، فإنهم أكفاء له ، وفيهم وفاء بدمه .

قال أبو زيد : والجفر أيضا ، من أولاد المعز : ما بلغ أربعة أشهر ، وفصل عن أمه .

ومنه عمر أنه قضى في الضبع كبشا ،  وفي الظبي شاة ، وفي اليربوع جفرا ، أو جفرة [ ص: 190 ] .

[حدثنا أبو عبيد ] ، قال : حدثنيه ابن علية ، عن أيوب ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن عمر .

وقال حسان بن ثابت [في رجل جرح فسقط ] :


ومرنح فيه الأسنة شرعا     كالجفر غير سميدع الأعمام

وفي هذا الحديث من الفقه : أنه يرد قول من قال : لا يكون الهدي أصغر من الجذع من الضأن ، والثني من المعز ، يشبههما بالأضاحي ، ويقول : عليه القيمة يتصدق بها ، وقول "عمر " [رحمه الله ] أولى بالاتباع .

التالي السابق


الخدمات العلمية