الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
      معلومات الكتاب

      معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول

      الحكمي - حافظ بن أحمد الحكمي

      صفحة جزء

      نمرها صريحة كما أتت مع اعتقادنا لما له اقتضت


      من غير تحريف ولا تعطيل     وغير تكييف ولا تمثيل


      بل قولنا قول أئمة الهدى     طوبى لمن بهديهم قد اهتدى

      .

      أي جميع الآيات والصفات وأحاديثها ( نمرها صريحة ) أي على [ ص: 357 ] ظواهرها ( كما أتت ) عن الله - تعالى - وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - - بنقل العدل عن العدل متصلا إلينا ، كالشمس في وقت الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب ، ( مع اعتقادنا ) إيمانا وتسليما ( لما له اقتضت ) من أسماء ربنا تبارك وتعالى ، وصفات كماله ، ونعوت جلاله كما يليق بعظمته وعلى الوجه الذي ذكره وأراده ( من غير تحريف ) لألفاظها كمن قال في قوله تعالى : ( وكلم الله موسى تكليما ) ، ( النساء : 164 ) أن التكليم من موسى ، وأن لفظ الجلالة منصوب على المفعولية فرارا من إثبات الكلام ، كما فعله بعض الجهمية والمعتزلة ، وقد عرض ذلك على أبي بكر بن عياش ، فقال أبو بكر : ما قرأ هذا إلا كافر ، قرأت على الأعمش ، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب ، وقرأ يحيى بن وثاب على أبي عبد الرحمن السلمي ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي على علي بن أبي طالب ، وقرأ علي بن أبي طالب على رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وكلم الله موسى تكليما ) يعني برفع لفظ الجلالة على الفاعلية ، وهو مجمع عليه بين القراء ، روى ذلك ابن مردويه ، عن عبد الجبار بن عبد الله ، عن ابن عياش رحمه الله تعالى .

      وروى ابن كثير أن بعض المعتزلة قرأ على بعض المشايخ : ( وكلم الله موسى تكليما ) ، فقال له : يا ابن اللخناء ، كيف تصنع بقوله تعالى : ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ) ، ( الأعراف : 143 ) يعني أن هذا لا يقبل التحريف ، ولا التأويل .

      وكما قال جهم بن صفوان - لعنه الله - في قوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) ، ( طه : 5 ) حيث قال : لو وجدت سبيلا إلى حكها لحككتها ، ولأبدلتها استولى . وله في ذلك سلف اليهود في تحريف الكلم عن مواضعه ، حيث قال - تعالى لهم : ( وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ) ، ( البقرة : 58 ) ، فدخلوا يزحفون على أستاههم ، وقالوا : حنطة ، فخالفوا ما أمرهم الله به من الدخول سجدا ، وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم فكان [ ص: 358 ] جزاؤهم ما ذكره الله - تعالى - حيث يقول : ( فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ) ، ( البقرة : 59 ) ، وجعلهم الله عبرة لمن بعدهم ، فمن فعل كما فعلوا ، فسبيله سبيلهم ، كما مضت سنة الله بذلك : ( أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر ) ، ( القمر : 43 ) .

      و ( من غير تحريف ) لمعانيها كما فعله الزنادقة أيضا ، كتأويلهم نفسه - تعالى - بالغير ، وأن إضافتها إليه كإضافة بيت الله وناقة الله ، فعلى هذا التأويل يكون قوله تعالى : ( ويحذركم الله نفسه ) ، ( آل عمران : 28 ) أي غيره ، وقوله : ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) ، ( الأنعام : 54 ) أي على غيره ، ويكون قوله - تعالى - عن عيسى ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) ، ( المائدة : 116 ) أي ولا أعلم ما في غيرك ، ويكون قوله - تعالى - لموسى : ( واصطنعتك لنفسي ) ، ( طه : 41 ) أراد واصطنعتك لغيري ، وهذا لا يقوله عاقل ، بل ولا يتوهمه ولا يقوله إلا كافر .

      وكتأويلهم وجهه - تعالى - بالنفس مع جحودهم لها كما تقدم ، فانظر لتناقضهم البين ، وهذا يكفي حكايته عن رده ، أما من أثبت النفس وأول الوجه بذلك ، فيقال له : إن الله - تعالى - قال : ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) ، ( الرحمن : 27 ) ، فذكر الوجه مرفوعا على الفاعلية ، ولفظ رب مجرور بالإضافة ، وذكر " ذو " مرفوعا بالتبعية نعتا لـ " وجه " ، فلو كان الوجه هو الذات ، لكانت القراءة " ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام " بالياء لا بالواو ، كما قال تعالى : ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ) ، ( الرحمن : 78 ) ، فخفضه لما كان صفة للرب ، فلما كانت القراءة في الآية الأولى بالرفع إجماعا ، تبين أن الوجه صفة للذات ليس هو الذات ، ولما رأى آخرون منهم فساد تأويلهم بالذات أو الغير ، لجئوا إلى طاغوت المجاز ، فعدلوا إلى تأويله به أولى ، وأنه كما يقال : وجه الكلام ، ووجه الدار ، ووجه الثوب ، ونحو ذلك ، فتكلفوا الكذب على الله - تعالى - وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - كل التكلف ، ثم نكسوا على رءوسهم ، فوقعوا فيما فروا منه .

      فيقال لهم : أليس الثوب والدار والكلام مخلوقات كلها ، وقد شبهتم وجه الله - تعالى - بذلك ؟ فأين الفكاك والخلاص ، ولات حين مناص : ( وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين ) ، ( فصلت : 23 ) ، وكما أولوا اليد بالنعمة ، واستشهدوا بقول العرب : لك [ ص: 359 ] يد عندي ، أي نعمة ، فعلى هذا التأويل يكون قوله تعالى : ( بل يداه مبسوطتان ) ، ( المائدة : 64 ) يعني نعمتاه ، فلم يثبتوا لله إلا نعمتين ، والله - تعالى - يقول : ( ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) ، ( لقمان : 20 ) ، ويكون قوله تعالى : ( لما خلقت بيدي ) ، ( ص : 75 ) أراد بنعمتي ، فأي فضيلة لآدم على غيره على هذا التأويل ، وهل من أحد لم يخلقه الله بنعمته ؟ ويكون قوله تعالى : ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ) ، ( الزمر : 67 ) أراد : مطويات بنعمته ، فهل يقول هذا عاقل ؟ .

      وقال آخرون منهم " بقوته " استشهادا بقوله تعالى : ( والسماء بنيناها بأيد ) ، ( الذاريات : 147 ) أي بقوة ، فيقال لهم : أليس كل مخلوق خلقه الله بقوة ؟ فعلى هذا ما معنى قوله عز وجل : (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) وأي فضل لآدم على إبليس إذ كل منهما خلقه الله بقوته ؟ وما معنى قوله - تعالى - للملائكة : لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي ، كمن قلت له كن فكان . أفلم يخلق الملائكة بقوته ، وأي فضل لآدم عليهم إن لم يكن خلقه الله بيده التي هي صفته ، نبئوني بعلم إن كنتم صادقين .

      التالي السابق


      الخدمات العلمية