الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَكَانَ سَبَبُ حَفْرِهِ إِيَّاهَا أَنَّهُ قَالَ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ بِالْحِجْرِ إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ : احْفِرْ طَيْبَةَ . قَالَ : قُلْتُ : وَمَا طَيْبَةُ ؟ قَالَ : ثُمَّ ذَهَبَ فَرَجَعْتُ الْغَدَ إِلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ ، فَجَاءَنِي فَقَالَ : احْفِرْ بَرَّةَ . قَالَ : قُلْتُ : وَمَا بَرَّةُ ؟ قَالَ : ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي ، قَالَ : فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْتُ إِلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ فَجَاءَنِي فَقَالَ : احْفِرِ الْمَضْنُونَةَ . قَالَ : قُلْتُ : وَمَا الْمَضْنُونَةُ ؟ قَالَ فَذَهَبَ عَنِّي ، فَجَاءَنِي فَقَالَ : احْفِرْ زَمْزَمْ ، إِنَّكَ إِنْ حَفَرْتَهَا لَا تَنْدَمْ . فَقُلْتُ . وَمَا زَمْزَمُ ؟ قَالَ : تُرَاثٌ مِنْ أَبِيكَ الْأَعْظَمْ ، لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذَمْ ، تَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمْ ، مِثْلَ نَعَامٍ جَافِلٍ لَمْ يُقْسَمْ ، يُنْذِرُ فِيهَا نَاذِرٌ لِمُنْعِمْ ، يَكُونُ مِيرَاثًا وَعَقْدًا مُحْكَمْ ، لَيْسَ كَبَعْضِ مَا قَدْ تَعْلَمْ ، وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدَّمْ ، عِنْدَ نَقْرَةِ الْغُرَابِ الْأَعْصَمْ ، عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ . فَلَمَّا بَيَّنَ لَهُ شَأْنَهَا ، وَدَلَّ عَلَى مَوْضِعِهَا ، وَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ ، غَدَا بِمِعْوَلِهِ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ غَيْرُهُ ، فَحَفَرَ بَيْنَ إِسَافَ وَنَائِلَةَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَنْحَرُ فِيهِ قُرَيْشٌ لِأَصْنَامِهَا ، وَقَدْ رَأَى الْغُرَابَ يَنْقُرُ هُنَاكَ . فَلَمَّا بَدَا لَهُ الطَّوِيُّ كَبَّرَ ، فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ حَاجَتَهُ ، فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا : بِئْرُ أَبِينَا إِسْمَاعِيلَ ، وَإِنَّ لَنَا فِيهَا حَقًّا فَأَشْرِكْنَا مَعَكَ . قَالَ : مَا أَنَا بِفَاعِلٍ ، هَذَا أَمْرٌ خُصِصْتُ بِهِ دُونَكُمْ ، قَالُوا : فَإِنَّا غَيْرُ تَارِكِيكَ حَتَّى نُخَاصِمَكَ فِيهَا ، قَالَ : فَاجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ . قَالُوا : كَاهِنَةُ بَنِي سَعْدِ بْنِ هُذَيْمٍ ، وَكَانَتْ بِمَشَارِفِ الشَّامِ . فَرَكِبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، وَرَكِبَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ نَفَرٌ ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ تِلْكَ الْمَفَاوِزِ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ فِي مَاءِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَصْحَابِهِ ، فَظَمِئُوا حَتَّى أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ ، فَطَلَبُوا الْمَاءَ مِمَّنْ مَعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمْ يَسْقُوهُمْ . فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : مَاذَا تَرَوْنَ ؟ فَقَالُوا : رَأَيُنَا تَبَعٌ لِرَأْيِكَ فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ . قَالَ : فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَحْفِرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِنَفْسِهِ حُفْرَةً ، فَكُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ وَارَاهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ آخِرُكُمْ مَوْتًا وَقَدْ وَارَى الْجَمِيعَ ، فَضَيْعَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْسَرُ مِنْ ضَيْعَةِ رَكْبٍ . قَالُوا : نِعْمَ مَا رَأَيْتَ . فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ . ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : وَاللَّهِ إِنَّ إِلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا هَكَذَا لِلْمَوْتِ ، لَا نَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ وَنَبْتَغِي لِأَنْفُسِنَا لَعَجْزٌ . فَارْتَحَلُوا وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ ، ثُمَّ رَكِبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ، فَلَمَّا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ انْفَجَرَتْ مِنْ تَحْتِ خُفِّهَا عَيْنٌ عَذْبَةٌ مِنْ مَاءٍ ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ أَصْحَابُهُ وَشَرِبُوا وَمَلَأُوا أَسْقِيَتَهُمْ ، ثُمَّ دَعَا الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ : هَلُمُّوا إِلَى الْمَاءِ فَقَدْ سَقَانَا اللَّهُ . فَقَالَ أَصْحَابُهُ : لَا نَسْقِيهِمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْقُونَا . فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ وَقَالَ : فَنَحْنُ إِذًا مِثْلُهُمْ ! فَجَاءَ أُولَئِكَ الْقُرَشِيُّونَ وَمَلَأُوا أَسْقِيَتَهُمْ وَقَالُوا : قَدْ وَاللَّهِ قَضَى اللَّهُ لَكَ عَلَيْنَا يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ ، وَاللَّهِ لَا نُخَاصِمُكَ فِي زَمْزَمَ أَبَدًا ، إِنَّ الَّذِي سَقَاكَ هَذَا الْمَاءَ بِهَذِهِ الْفَلَاةِ لَهُوَ الَّذِي سَقَاكَ زَمْزَمَ ، فَارْجِعْ إِلَى سِقَايَتِكَ رَاشِدًا . فَرَجَعُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى الْكَاهِنَةِ وَخَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا . فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حَفْرِهَا وَجَدَ الْغَزَالَيْنِ اللَّذَيْنِ دَفَنَتْهُمَا جُرْهُمُ فِيهَا ، وَهُمَا مِنْ ذَهَبٍ ، وَوَجَدَ فِيهَا أَسْيَافًا قَلْعِيَّةً وَأَدْرَاعًا . فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ : يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَنَا مَعَكَ فِي هَذَا شِرْكٌ وَحَقٌّ . قَالَ : لَا وَلَكِنْ هَلُمَّ إِلَى أَمْرٍ نَصَفٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، نَضْرِبُ عَلَيْهَا بِالْقِدَاحِ . فَقَالُوا : فَكَيْفَ تَصْنَعُ ؟ قَالَ : أَجْعَلُ لِلْكَعْبَةِ قِدْحَيْنِ ، وَلَكُمْ قِدْحَيْنِ ، وَلِي قِدْحَيْنِ ، فَمَنْ خَرَجَ قِدَاحُهُ عَلَى شَيْءٍ أَخَذَهُ ، وَمَنْ تَخَلَّفَ قِدَاحُهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ . قَالُوا : أَنْصَفْتَ . فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَضُرِبَتِ الْقِدَاحُ عِنْدَ هُبَلَ ، فَخَرَجَ قِدْحَا الْكَعْبَةِ عَلَى الْغَزَالَيْنِ ، وَخَرَجَ قِدْحَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى الْأَسْيَافِ وَالْأَدْرَاعِ ، وَلَمْ يَخْرُجْ لِقُرَيْشٍ شَيْءٌ مِنَ الْقِدَاحِ . فَضَرَبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الْأَسْيَافَ بَابًا لِلْكَعْبَةِ ، وَجَعَلَ فِيهِ الْغَزَالَيْنِ صَفَائِحَ مِنْ ذَهَبٍ ، فَكَانَ أَوَّلُ ذَهَبٍ حُلِّيَتْ بِهِ الْكَعْبَةُ . وَقِيلَ : بَلْ بَقِيَا فِي الْكَعْبَةِ وَسُرِقَا ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ . وَأَقْبَلَ النَّاسُ وَالْحُجَّاجُ عَلَى بِئْرِ زَمْزَمَ تَبَرُّكًا بِهَا وَرَغْبَةً فِيهَا ، وَأَعْرَضُوا عَمَّا سِوَاهَا مِنَ الْآبَارِ . وَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ تَظَاهُرَ قُرَيْشٍ عَلَيْهِ نَذَرَ لِلَّهِ تَعَالَى : إِنْ يُرْزِقْهُ عَشَرَةً مِنَ الْوِلْدَانِ يَبْلُغُونَ أَنْ يَمْنَعُوهُ وَيَذُبُّوا عَنْهُ نَحَرَ أَحَدَهُمْ قُرْبَانًا لِلَّهِ تَعَالَى . وَقَدْ ذُكِرَ النَّذْرُ فِي اسْمِ عَبْدِ اللَّهِ أَبِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَوَّلُ مَنْ خَضَّبَ بِالْوَسْمَةِ ، وَهُوَ السَّوَادُ ، لِأَنَّ الشَّيْبَ أَسْرَعَ إِلَيْهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية