الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر قتل محمد بن أبي حذيفة

في هذه السنة قتل محمد بن أبي حذيفة ، وكان أبوه أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس قد قتل يوم اليمامة ، وترك ابنه محمدا هذا ، فكفله عثمان بن عفان وأحسن تربيته ، وكان فيما قيل : أصاب شرابا فحده عثمان ، ثم تنسك محمد وأقبل على العبادة ، وطلب من عثمان أن يوليه عملا ، فقال : لو كنت أهلا لذلك لوليتك . فقال له : إني قد رغبت في غزو البحر فأذن [ لي ] في إتيان مصر ، فأذن له وجهزه ، فلما قدمها رأى الناس عبادته فلزموه وعظموه ، وغزا مع عبد الله بن سعد غزوة الصواري .

وكان محمد يعيبه ويعيب عثمان بتوليته ويقول : استعمل رجلا أباح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دمه . فكتب عبد الله إلى عثمان : إن محمدا قد أفسد علي البلاد هو ومحمد بن أبي بكر . فكتب إليه : أما ابن أبي بكر فإنه يوهب لأبيه ولعائشة ، وأما ابن أبي حذيفة فإنه ابني وابن أخي وتربيتي وهو فرخ قريش . فكتب إليه : إن هذا الفرخ قد استوى ريشه ولم يبق إلا أن يطير . فبعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم وبجمل عليه كسوة ، [ ص: 621 ] فوضعها محمد في المسجد ثم قال : يا معشر المسلمين ألا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني ويرشوني عليه ! فازداد أهل مصر تعظيما له وطعنا على عثمان ، ( وبايعوه على رياستهم ) ، فكتب إليه عثمان يذكره بره به وتربيته إياه وقيامه بشأنه ، ويقول : إنك كفرت إحساني أحوج ما كنت إلى شكرك . فلم يرده ذلك عن ذمه وتأليب الناس عليه ، وحثهم على المسير إلى حصره ، ومساعدة من يريد ذلك .

فلما سار المصريون إلى عثمان ، أقام هو بمصر ، وخرج عنها عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، ( فاستولى عليها ) وضبطها ، فلم يزل بها مقيما حتى قتل عثمان وبويع علي ، واتفق معاوية وعمرو بن العاص على خلاف علي ، فسار إلى مصر قبل قدوم قيس بن سعد إليها أميرا ، فأراد دخولها فلم يقدر على ذلك ، فخدع محمدا حتى خرج منها إلى العريش في ألف رجل ، فتحصن بها ، فنصب عليه المنجنيق حتى نزل في ثلاثين من أصحابه فقتل .

وهذا القول ليس بشيء ، لأن عليا استعمل قيسا على مصر أول ما بويع له ، ولو أن ابن أبي حذيفة قتله معاوية وعمرو قبل وصول قيس إلى مصر لاستوليا عليها ; لأنه لم يكن بها أمير يمنعهما عنها ، ولا خلاف أن استيلاء معاوية وعمرو عليها كان بعد صفين ، والله أعلم .

وقيل غير ذلك ، وهو أن محمد بن أبي حذيفة سير المصريين إلى عثمان ، فلما حصروه أخرج محمد عبد الله بن سعد عن مصر ، وهو عامل عثمان ، واستولى عليها ، فنزل عبد الله على تخوم مصر ، وانتظر أمر عثمان ، فطلع عليه راكب فسأله ، فأخبره بقتل عثمان ، فاسترجع ، وسأله عما صنع الناس بعده ، فأخبره ببيعة علي ، فاسترجع ، فقال له : كأن إمرة علي تعدل عندك قتل عثمان ! قال : نعم . قال : أظنك عبد الله بن سعد . فقال : نعم . فقال له : إن كانت لك في نفسك حاجة فالنجاء النجاء ، فإن رأي أمير المؤمنين علي فيك وفي أصحابك إن ظفر بكم أن يقتلكم أو ينفيكم ، وهذا بعدي أمير يقدم عليك . فقال : من هو ؟ قال قيس بن سعد بن عبادة . قال عبد الله بن سعد : أبعد الله محمد بن أبي حذيفة ، فإنه بغى على ابن عمه وسعى عليه ، وقد كفله ورباه وأحسن إليه ، فأساء جواره وجهز إليه الرجال حتى قتل ، ثم ولى عليه من هو أبعد منه ومن عثمان ، [ ص: 622 ] ولم يمتعه بسلطان بلاده شهرا ، ولم يره لذلك أهلا . وخرج عبد الله هاربا حتى قدم على معاوية .

وهذا القول يدل على أن قيسا ولي مصر ومحمد بن أبي حذيفة حي ، وهو الصحيح .

وقيل : إن عمرا سار إلى مصر بعد صفين ، فلقيه محمد بن أبي حذيفة في جيش ، فلما رأى عمرو كثرة من معه أرسل إليه ، فالتقيا واجتمعا ، فقال له عمرو : إنه قد كان ما ترى وقد بايعت هذا الرجل ، يعني معاوية ، وما أنا براض بكثير من أمره ، وإني لأعلم أن صاحبك عليا أفضل من معاوية نفسا وقديما وأولى بهذا الأمر ، فواعدني موعدا ألتقي معك فيه في غير جيش ، تأتي في مائة وآتي في مثلها ، وليس معنا إلا السيوف في القرب . فتعاهدا وتعاقدا على ذلك واتعدا العريش ، ورجع عمرو إلى معاوية ، فأخبره الخبر ، فلما جاء الأجل سار كل واحد منهما إلى صاحبه في مائة ، وجعل عمرو له جيشا خلفه لينطوي خبره ، فلما التقيا بالعريش قدم جيش عمرو على أثره ، فعلم محمد أنه قد غدر به ، فدخل قصرا بالعريش فتحصن به ، فحصره عمرو ورماه بالمنجنيق حتى أخذ أسيرا ، وبعث به عمرو إلى معاوية فسجنه ، وكانت ابنة قرظة امرأة معاوية ابنة عمة محمد بن أبي حذيفة أمها فاطمة بنت عتبة ، فكانت تصنع له طعاما ترسله إليه ، فأرسلت إليه يوما في الطعام مبارد ، فبرد بها قيوده وهرب فاختفى في غار فأخذ وقتل ، والله أعلم .

وقيل : إنه بقي محبوسا إلى أن قتل حجر بن عدي ، ثم إنه هرب ، فطلبه مالك بن هبيرة السكوني ، فظفر به فقتله غضبا لحجر ، وكان مالك قد شفع إلى معاوية في حجر فلم يشفعه . وقيل : إن محمد بن أبي حذيفة لما قتل محمد بن أبي بكر خرج في جمع كثير إلى عمرو ( فآمنه عمرو ) ، ثم غدر به وحمله إلى معاوية بفلسطين فحبسه ، ثم إنه هرب ، فأظهر معاوية للناس أنه كره هربه وأمر بطلبه ، فسار في أثره عبيد الله بن عمرو بن ظلام الخثعمي ، فأدركه بحوران في غار ، وجاءت حمر تدخل الغار ، فلما رأت محمدا نفرت منه ، وكان هناك ناس يحصدون ، فقالوا : والله إن لنفرة هذه الحمر لشأنا . فذهبوا إلى الغار فرأوه ، فخرجوا من عنده ، فوافقهم عبيد الله فسألهم عنه ووصفه لهم ، فقالوا : [ ص: 623 ] هو في الغار ، فأخرجه وكره أن يأتي به معاوية فيخلي سبيله ، فضرب عنقه ، وكان ابن خال معاوية .

التالي السابق


الخدمات العلمية