الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

حاشية الدسوقي على الشرح الكبير

الدسوقي - محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي

صفحة جزء
[ درس ] ( فصل ) ذكر فيه حكم القيام بالصلاة وبدله ومراتبهما ( يجب بفرض ) أي في صلاة فرض ( قيام ) استقلالا للإحرام والقراءة وهوي الركوع إلا حال السورة فيجوز الاستناد لا الجلوس لأنه يخل بهيئتها [ ص: 256 ] ( إلا لمشقة ) لا يستطيع معها القيام ( أو ) إلا ( لخوفه ) أي المكلف ( به ) أي بالقيام ( فيها ) أي في الفريضة ضرر ( أو قبل ) أي قبل الدخول فيها ( ضررا ) مفعول خوف كأن يكون عادته إذا قام أغمي عليه فيجلس من أولها فحصول الخوف إما فيها أو قبل الدخول ( كالتيمم ) أي كالضرر الموجب للتيمم وهو خوف حدوث المرض أو زيادته أو تأخر برء وشبه في المستثنى قوله ( كخروج ريح ) مثلا إن صلى قائما لا جالسا فيجلس [ ص: 257 ] محافظة على شرطها ( ثم ) إن لم يقدر على القيام استقلالا ف ( استناد ) في قيامه لكل شيء ولو حيوانا ( لا لجنب وحائض ) محرم فيكره لهما إن وجد غيرهما وإلا استند لهما وأما لغير محرم فلا يجوز لمظنة اللذة ( و ) إن استند ( لهما ) أي للحائض أو الجنب مع وجود غيرهما ( أعاد بوقت ) ضروري ( ثم ) إن عجز عن القيام بحالتيه وجب ( جلوس كذلك ) أي استقلالا ثم استنادا إلا لجنب وحائض ولهما أعاد بوقت والمعتمد أن الترتيب بين القيام مستندا وبين الجلوس مستقلا مندوب فقط خلافا لما يوهمه كلامه فالترتيب بين القيامين واجب وكذا بين الجلوسين وكذا بين القيام مستندا والجلوس مستندا وكذا بينه وبين الاضطجاع .

والحاصل أن المراتب خمسة القيام بحالتيه والجلوس كذلك والاضطجاع فتأخذ كل واحدة مع ما بعدها يحصل عشر مراتب كلها واجبة إلا واحدة وهو ما بين القيام مستندا والجلوس مستقلا والمرتبة الأخيرة تحتها ثلاث صور مستحبة [ ص: 258 ] ( وتربع ) المصلي جالسا في محل قيامه المعجوز عنه ندبا ( كالمتنفل ) من جلوس ليميز بين البدل وجلوس غيره ( وغير ) المتربع ( جلسته ) بكسر الجيم ندبا ( بين سجدتيه ) كالتشهد ( ولو ) ( سقط قادر ) على القيام مستقلا إلا أنه صلى مستندا لعماد أي قدر سقوطه ( بزوال عماد ) استند له ( بطلت ) صلاته إن كان إماما أو فذا واستند عمدا في فاتحة بفرض فقط لا ساهيا فتبطل الركعة التي استند فيها فقط ( وإلا ) بأن كان لو قدر زوال العماد لم يسقط ( كره ) استناده وأعاد بوقت ( ثم ) إن عجز عن الجلوس بحالتيه وجب اضطجاع و ( ندب على ) شق ( أيمن ثم ) ندب على ( أيسر ثم ) ندب على ( ظهر ) ورجلاه للقبلة وإلا بطلت فإن عجز فعلى بطنه ، ورأسه للقبلة وجوبا فإن قدمها على الظهر بطلت

التالي السابق


( فصل يجب بفرض قيام ) ( قوله ذكر فيه حكم القيام بالصلاة ) أي وهو الوجوب وقوله وبدله أي وهو الجلوس .

( قوله ومراتبهما ) أي كون كل منهما مستقلا أو مستندا فالقيام له مرتبتان وكذلك بدله وهو الجلوس له مرتبتان .

( قوله أي في صلاة فرض ) سواء كان عينيا أو كفائيا كصلاة الجنازة على القول بفرضيتها لا على القول بسنيتها فيندب القيام فقط وسواء كان الفرض العيني فرضيته أصلية أو عارضة بالنذر إن نذر فيه القيام أما إن نذر النفل فقط فالظاهر عدم وجوب القيام ثم إن حمل الشارح الفرض في كلام المصنف على الصلاة المفروضة بجعل الباء للظرفية هو المتبادر للفهم ويحتمل أنها للسببية وأن المراد يجب بسبب فرض من أجزاء الصلاة كتكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة والهوي للركوع وقيام إلخ وهذا [ ص: 256 ] الثاني هو المرتضى عند ح قائلا لئلا يخرج من كلامه الوتر وركعتا الفجر مع أن ابن عرفة اقتصر على أن القيام فيهما فرض لقولها لا يصليان في الحجر كالفرض ا هـ لكن ذكر عن ابن ناجي أن هذا ضعيف وأن الراجح ما أقامه بعض التونسيين منها وهو جواز الجلوس فيهما اختيارا لقولها إنهما يصليان في سفر القصر على الدابة وأورد على الاحتمال الأول الذي مشى عليه الشارح بأنه يوهم وجوب القيام للسورة ويجاب بأن المصنف أطلق هنا اتكالا على ما سبق من التفصيل أو أنه مشى على ما أخذه ابن عرفة من كلام اللخمي وابن رشد من أن القيام للسورة فرض كالوضوء للنافلة وأورد على الاحتمال الثاني بأنه يقتضي وجوب القيام في النافلة وأجيب بأن المراد يجب بسبب فرض من أجزاء الصلاة المفروضة فخرج النفل بدليل قوله الآتي ولمتنفل جلوس ولو في أثنائها .

( قوله إلا لمشقة ) فيه بحث لأنه إن أراد المشقة التي ينشأ عنها المرض أو زيادته فصحيح إلا أن ما بعده يتكرر معه وإن أراد المشقة الحالية وهي التي تحصل في حال الصلاة ولا يخشى عاقبتها ولا ينشأ عنها ما ذكر ففيه نظر لأن الذي لا يخاف إلا المشقة الحالية لا يصلي إلا قائما على المشهور عند اللخمي وغيره وهو ظاهر المدونة وذلك لأن المشقة الحالية تزول بزوال زمانها وتنقضي بانقضاء الصلاة وذلك خفيف وأجيب بحمله على المشقة الحالية في خصوص المريض بأن كان مريضا وإذا صلى قائما لا يحصل له إلا مجرد المشقة وتزول عن قرب فله أن يصلي من جلوس بناء على قول أشهب وابن مسلمة فقد قال ابن ناجي ما نصه ولقد أحسن أشهب لما سئل عن مريض لو تكلف الصوم والصلاة قائما لقدر لكن بمشقة وتعب فأجاب بأن له أن يفطر وأن يصلي جالسا ودين الله يسر ا هـ والحاصل كما قال عج أن الذي يصلي الفرض جالسا هو من لا يستطيع القيام جملة ومن يخاف من القيام المرض أو زيادته كالتيمم وأما من يحصل له به المشقة الفادحة فالراجح أنه لا يصليه جالسا إن كان صحيحا وإن كان مريضا فله ذلك على ما قاله أشهب وابن مسلمة واختاره ابن عبد السلام وظاهر كلام ابن عرفة أنه ليس له أن يصليه جالسا انظر بن .

( قوله لا يستطيع معها القيام ) حمل المصنف على هذا بعيد لأن هذا عاجز عن القيام بل مراده من يقدر على الإتيان بالقيام لكن بمشقة تحصل له في الحال كما تقدم .

( قوله ضررا ) أي من إغماء أو حدوث مرض أو زيادته أو تأخر برء أو حصول دوخة .

( قوله كأن يكون عادته إلخ ) أي أو أخبره بذلك موافق له في المزاج أو طبيب عارف بالطب بأن قال له إن صليت من قيام حصل لك الإغماء أو الدوخة مثلا فخاف وهو في الصلاة أو قبلها حصول ذلك بسبب القيام .

( قوله فيجلس ) أي على ما قاله ابن عبد الحكم وقال سند يصلي من قيام ويغتفر له خروج الريح لأن الركن أولى بالمحافظة [ ص: 257 ] عليه من الشرط .

( قوله محافظة على شرطها ) أي على شرط الصلاة مطلقا فرضا أو نفلا والمحافظة عليه أولى من المحافظة على الركن الواجب في الجملة لأن القيام لا يجب إلا في الفرض وبهذا سقط قول سند لم لم يصل قائما ويغتفر له خروج الريح ويصير كالسلس ولا يترك الركن لأجله ( قوله فاستناد ) أي فيجب استناد في قيامه محافظة على صورة الأصل ما أمكن فإن لم يقدر على الاستناد حال تلبسه بالصلاة إلا بالكلام تكلم ويصير من الكلام لإصلاحها فلا تبطل به الصلاة ما لم يكثر .

( قوله ولو حيوانا ) أي هذا إذا كان جمادا بل ولو كان حيوانا .

( قوله لا لجنب وحائض محرم ) أي فيكره لهما لبعدهما عن الصلاة .

( قوله إن وجد غيرهما ) أي من رجال ونساء محارم لا حيض بهن ولا جنابة .

( قوله وأما لغير محرم ) أي كالزوجة والأمة والأجنبية وكذا الأمرد والمأبون وقوله فلا يجوز أي ولو كان غير جنب أو حائض فإن وقع واستند لغير المحرم فإن حصلت اللذة بالفعل بطلت الصلاة وإلا فلا وقد علمت أن الرجل للرجل كالمحرم فيجوز استناده إليه على ما في المج أي إذا كان غير جنب وإلا كره .

( قوله مع وجود غيرهما ) أي وأما إذا استند لهما لعدم وجود غيرهما فلا إعادة لوجوب ذلك عليه كما مر .

( قوله أعاد بوقت ) لا غرابة في إعادة الصلاة لارتكاب أمر مكروه كالاستناد للحائض والجنب مع وجود غيرهما ألا ترى الصلاة في معاطن الإبل فإنه مكروه وتعاد الصلاة لأجله في الوقت فاندفع قول بعضهم إن الكراهة لا تقتضي الإعادة أصلا فلعل هناك قولا بالحرمة .

( قوله ضروري ) اعلم أن الإعادة هنا كالإعادة للنجاسة فتعاد الظهران للاصفرار والعشاءان لطلوع الفجر والصبح لطلوع الشمس إذا علمت ذلك فقول الشارح بوقت ضروري هذا ظاهر بالنسبة لغير العصر وأما هي فإنما تعاد في الاختياري فإن اختياريها يمتد للاصفرار وهي لا تعاد بعد الاصفرار تأمل .

( قوله مندوب فقط ) أي كما ذكره ابن ناجي وزروق وقوله خلافا لما يوهمه كلامه أي من وجوب الترتيب بينهما هذا والذي في ح ما نصه ما ذكره المصنف من وجوب الترتيب بين الاستناد قائما والجلوس مستقلا هو ما ذكره ابن شاس وابن الحاجب وذكر ابن ناجي في شرح الرسالة والشيخ زروق أن ابن رشد ذكر في سماع أشهب أن ذلك على جهة الاستحباب فانظره ا هـ وهذا ليس فيه ترجيح أن ابن ناجي اختار خلاف ما لابن رشد وقال إنه ظاهر المدونة عندي وأيضا ما لابن شاس هو الذي نقله القباب عن المازري مقتصرا عليه وهو الذي في التوضيح وابن عبد السلام والقلشاني وغيرهم وبهذا تعلم أن ما ذكره الشارح تبعا لعبق أنه المعتمد ليس هو المعتمد انظر بن .

( قوله وكذا بينه ) أي بين القيام مستندا وبين الاضطجاع .

( قوله والحاصل إلخ ) حاصله أن القيام استقلال ، تقديمه على كل ما بعده واجب وكذلك الجلوس استقلال ، تقديمه على كل ما بعده واجب وتقديم الظهر على البطن واجب كتقديم الجلوس استنادا على الاضطجاع وما عدا ذلك فهو مندوب كمراتب الاضطجاع والقيام مستندا على الجلوس مستقلا .

( قوله والمرتبة الأخيرة ) أي وهي الاضطجاع .

( قوله تحتها ثلاث صور ) أي لأن الاضطجاع على أيمن ثم أيسر ثم ظهر .

( قوله مستحبة ) أي الترتيب بينهما مستحب أي وأما الترتيب [ ص: 258 ] بين كل منها وبين الجلوس مستندا فهو واجب .

( قوله وتربع المصلي جالسا ) أي سواء كان مستقلا أو مستندا فيخالف بين رجليه بأن يضع رجله اليمنى تحت ركبته اليسرى ورجله اليسرى تحت ركبته اليمنى .

( قوله في محل قيامه ) متعلق بتربع .

( قوله كالمتنفل ) الكاف داخلة على المشبه لأجل إفادة حكم النفل .

( قوله ليميز بين البدل ) أي بين الجلوس الواقع بدلا عن القيام .

( قوله وجلوس غيره ) أي وجلوس غير البدل وهو الجلوس للتشهد وبين السجدتين .

( قوله بكسر الجيم ) أي لأن المراد الهيئة لا المرة حتى يكون بفتح الجيم .

( قوله كالتشهد ) أي كما يغيرها في حالة التشهد ندبا وبغيرها أيضا في حال السجود لكن استنانا لقول المصنف وسن على أطراف قدميه وحاصله أنه يقرأ متربعا ويركع كذلك واضعا يديه على ركبتيه ويرفع كذلك ثم يغير جلسته إذا أراد أن يسجد بأن يثني رجليه في سجوده وبين سجدتيه ويفعل في السجدة الثانية وفي رفع منها كذلك ثم يرجع متربعا للقراءة ثم يفعل في الركعة الثانية كما فعل في الأولى ويجلس للتشهد كجلوس القادر فإذا كمل تشهده رجع متربعا قبل التكبير الذي ينوي به القيام للثالثة كما أنه لو صلى قائما لا يكبر حتى يستوي قائما فتربعه بدل قيامه فقد ظهر لك أنه لا خصوصية لما بين السجدتين بتغيير الجلسة لما علمت أنه يغيرها في السجود وبين السجدتين وفي التشهد وأن تغييرها في الأول سنة وفي الأخيرين مندوب ولعله إنما اقتصر على التغير بين السجدتين لئلا يتوهم أنه يجلس بينهما متربعا وأما تغييره في السجود فقد تقدم ما يفهم منه ذلك وهو سنية السجود على أطراف القدمين .

( قوله ولو سقط قادر على القيام مستقلا إلا أنه صلى مستندا لعماد إلخ ) قصر كلامه على القادر على القيام تبعا لبعض الشراح ولا مفهوم له بل مثله في قسمي البطلان والكراهة القادر على الجلوس مستقلا فصلى مستندا لعماد .

( قوله أي قدر سقوطه ) أي وأولى لو سقط بالفعل حين زوال العماد .

( قوله واستند عمدا ) أي أو جهلا .

( قوله وأعاد بوقت ) ما ذكره الشارح تبعا لعبق وخش من الإعادة في الوقت قال بن لم أر من ذكره وأما الكراهة فلا تستلزم الإعادة ولذا قرر شيخنا أن الصواب عدم الإعادة .

( قوله ثم إن عجز إلخ ) أشار الشارح بهذه إلى أن في كلام المصنف حذف المعطوف بثم مع عاطف ندب والأصل ثم اضطجاع وندب على أيمن ثم أيسر ثم ظهر والندب منصب على التقديم وإلا فإحدى الحالات الثلاث واجب لا بعينه وحاصل ما أراده المصنف أنه يستحب له أن لا ينتقل عن حالة لما بعدها إلا عند العجز فإن خالف فلا شيء عليه وهذا الذي قرر به الشارح بهرام وهو مصرح به في كلام أبي الحسن ونقله عن عبد الحق وابن يونس ا هـ بن .

( قوله وإلا بطلت ) أي وألا يجعل رجليه للقبلة بل جعل رأسه إليها ورجليه لدبرها بطلت لأنه صلى لغيرها .

( قوله ورأسه للقبلة وجوبا ) أي كالساجد فإن جعل رجليه للقبلة ورأسه لدبرها بطلت صلاته لصلاته لغيرها وهذا أي ما ذكره من البطلان لكونه صلى لغير القبلة إذا كان قادرا على التحول ولو بمحول وإلا فلا بطلان




الخدمات العلمية