الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

حاشية الدسوقي على الشرح الكبير

الدسوقي - محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي

صفحة جزء
وأشار لشرط وجوبها في العين بقوله ( إن تم الملك ) وهو مركب من أمرين الملك وتمامه فلا زكاة على غاصب وملتقط لعدم الملك ولا على عبد ومدين لعدم تمامه ( و ) تم ( حول غير المعدن ) والركاز [ ص: 457 ] وأما هما فالزكاة بالوجود في الركاز وبإخراجه أو تصفيته في المعدن كما يأتي ( وتعددت ) الزكاة على المالك ( بتعدده ) أي الحول ( في ) عين ( مودعة ) قبضها المالك بعد أعوام فإنه يزكيها لكل عام مضى بعد قبضها ( و ) في عين ( متجر فيها بأجر ) وأولى بغيره ويزكيها وهي عند التاجر حيث علم قدرها وكان مديرا ولو احتكر التاجر فإن لم يعلم قدرها صبر لعلمه ( لا ) عين ( مغصوبة ) فلا تتعدد الزكاة بتعدد الأعوام وإنما يزكيها لعام واحد بعد قبضها ولو رد الغاصب ربحها معها ( و ) لا ( مدفونة ) بصحراء أو عمران ضل صاحبها عنها ثم وجدها بعد أعوام فتزكى لعام واحد ( وضائعة ) سقطت من ربها ثم وجدها بعد أعوام فتزكى لعام واحد ولو التقطت [ ص: 458 ] ما لم ينو الملتقط تملكها ثم يمر عليها عام من يوم نوى التملك فإنها تجب على الملتقط وتسقط عن ربها ( و ) لا في عين ( مدفوعة ) قراضا ( على أن الربح للعامل بلا ضمان ) عليه فيما تلف منها فيزكيها لعام واحد بعد قبضها إن لم يكن مديرا وإلا فلكل عام مع ما بيده حيث علم بقاءها فإن كان على أن الربح لربها فهو قوله ومتجر فيها بأجر وإن كان على أن الربح بينهما فهو قوله الآتي والقراض الحاضر إلخ وإن كان على أن الضمان على العامل فالحكم كما في المصنف إلا إنه خرج عن القراض إلى القرض .

التالي السابق


( قوله إن تم الملك إلخ ) جعله الملك شرطا طريقة لابن الحاجب وجعله القرافي سببا قال بعض وهو الظاهر لصدق حده عليه ( قوله وهو ) أي شرط الوجوب المذكور مركب من أمرين ( قوله فلا زكاة على غاصب ) قيده ح بما إذا لم يكن عنده وفاء بما يعوضه به وإلا زكاه وعلى هذا يحمل قول الشيخ أحمد الزرقاني قال ابن القاسم المال المغصوب في ضمان الغاصب حين غصبه فعلى الغاصب فيه الزكاة ا هـ بن قال بعضهم يؤخذ من شرط تمام الملك عدم زكاة حلي الكعبة والمساجد من قناديل وعلائق وصفائح أبواب وصدر به عبد الحق قائلا وهو الصواب عندي وقال ابن شعبان يزكيه الإمام كالعين الموقوفة للقرض ا هـ عدوي لكن سيأتي في النذر أن نذر ذلك لا يلزم والوصية به باطلة وحينئذ فهي على ملك ربها فهو الذي يزكيها لا خزنة الكعبة ولا نظار المساجد ولا الإمام تأمل ( قوله لعدم تمامه ) أي لأن للسيد وأرباب الدين انتزاعه فلهم فيه حق .

[ ص: 457 ] قوله وأما هما فالزكاة بالوجود في الركاز ) كذا ذكر ابن الحاجب واعترضه ابن عبد السلام بأن الركاز فيه الخمس وليس بزكاة وأجاب في التوضيح بأن فيه الزكاة في بعض صوره كما يأتي أي إن احتاج لكبير نفقة أو عمل في تخليصه ولا يشترط مرور الحول ( قوله بعد أعوام ) أي ولو غاب المودع بها ( قوله فإنه يزكيها لكل عام مضى ) أي مبتدئا بالعام الأول فما بعده إلا أن ينقص الأخذ النصاب وما ذكره من تعدد زكاة المودعة بتعدد الحول هو المشهور ، ومقابله ما روي عن مالك من زكاتها لعام واحد بعد قبضها لعدم التنمية وما رواه ابن نافع عن مالك من أنه يستقبل بها حولا بعد قبضها ( قوله بعد قبضها ) ظاهره أنه قبل القبض لا يزكيها وأنها إنما تزكى بعد القبض واستظهر ابن عاشر أن المالك يزكيها كل عام وقت الوجوب من عنده ا هـ بن ( قوله ومتجر فيها بأجر ) حاصله أنه إذا دفع مالا لمن يتجر فيه وجعل له أجرة كل يوم عشرة أنصاف فضة مثلا والربح لرب المال فإن الزكاة تجب في ذلك المال على المالك فيزكيه من عنده كل عام مضى عليه وهو عند العامل لأن تحريك العامل له كتحريك ربه لأنه كالوكيل عنه لكن تزكيته كل عام وقت الوجوب حيث لم يقبضه من العامل مقيد بقيدين الأول علم المالك بقدره والثاني أن يكون المالك مديرا فيقوم ما بيد العامل من البضاعة كل عام ويزكيها مع ماله فإن غاب العامل ولم يعلم قدر المال أخرت زكاته إلى وقت علمه بقدره ويزكيه لما مضى وإن كان رب المال محتكرا فإنه يزكي لعام واحد بعد قبضها من العامل ( قوله وأولى بغيره ) أي فلا مفهوم لقول المصنف بأجر بل يزكيها كل عام وهي عند العامل كانت مدفوعة له بأجر أو بدون أجر كما يفيده كلام ابن رشد ونقله المواق وأما ما يؤخذ من كلام عج من أن المتجر فيها بدون أجر تتعدد فيها لكن إنما يزكيها بعد قبضها فغير صواب انظر بن .

( قوله وإنما يزكيها لعام واحد ) أي مما مضى لا لجميع الأعوام الماضية لأنه لا يقدر على تحريكها لنفسه فأشبهت اللقطة وهذا القول هو المشهور وقال ابن شعبان يزكيها لكل عام مضى وقيل إنه يستقبل بها حولا كالفوائد كما في بهرام

واعلم أن العين المغصوبة يجب على الغاصب أن يزكيها كل سنة من ماله في المدة التي هي فيها عنده حيث كان عنده ما يجعله في مقابلة تلك العين المغصوبة وهذه غير زكاة ربها إذا قبضها فتحصل أنها تزكى زكاتين إحداهما من ربها إذا أخذها لعام واحد مما مضى والثانية زكاة الغاصب لها كل عام ولا يرجع الغاصب على المالك بما دفعه زكاة عنها وأما الماشية إذا غصبت وردت بعد أعوام فالمشهور أنها تزكى لكل عام مضى إلا أن تكون السعاة أخذوا زكاتها من الغاصب هذا ما رجع إليه مالك ورجحه ابن عبد السلام وصوبه ابن يونس وقيل إنما تزكى لعام واحد كالعين وعزاه ابن عرفة للمدونة وأما النخلة إذا غصبت ثم ردت بعد أعوام مع ثمرتها فإن ثمرتها تزكى لكل عام مضى بلا خلاف إن لم يكن زكاها الغاصب وعلم أن فيها في كل سنة نصابا ( قوله ولا مدفونة بصحراء أو عمران ) أي بموضع لا يحاط به أو يحاط به خلافا لمحمد بن المواز من أنها إذا دفنت بصحراء أي في موضع لا يحاط به فهي كالمغصوبة تزكى لعام واحد وإن دفنت في البيت والموضع الذي يحاط به زكاها لكل عام وعكس هذا لابن حبيب ا هـ شيخنا عدوي ونحوه في الشامل وزاد فيه قولا رابعا وهو زكاتها لكل عام مطلقا سواء دفنت بصحراء أو ببيت لكن الذي نقله بن عن ابن يونس أن محل كون المدفونة التي ضل صاحبها عنها أعواما ثم وجدها يزكيها لعام واحد إذا دفنت بمحل لا يحاط به ، وأما لو دفنها بموضع يحاط به ثم وجدها بعد أن ضل عنها أعواما فإنه يزكيها لسائر الأعوام اتفاقا ، ولعل مراده اتفاق طريقة إذ هذا الذي ذكره طريقة ابن المواز فتأمل .

( قوله ضل صاحبها عنها ) أي وأما لو كان عالما بمحلها وتركها مدفونة اختيارا فإنها [ ص: 458 ] تزكى لسائر الأعوام اتفاقا ( قوله ما لم ينو الملتقط تملكها ) أي بل نوى حبسها لربها أو التصدق عنه بها ولم يتصدق بها ( قوله فإنها تجب على الملتقط ) أي إن كان عنده ما يجعل في مقابلتها وإلا لم تجب عليه ( قوله بعد قبضها ) وأما العامل فيستقبل بالربح بلا خلاف كما في ح ( قوله إن لم يكن مديرا ) وإلا فلكل عام هكذا في السماع كما نقله ح والمواق وبه اعترض طفى وغيره على المصنف فقال إن هذه المسألة مساوية لقوله أو متجر فيها بأجر في أن المدير يزكي لكل عام دون غيره فلا وجه لتفريق المصنف بينهما ا هـ قال بن قلت بينهما فرق وذلك أن المدفوعة على أن الربح للعامل بلا ضمان لا يعتبر فيها حال العامل من إدارة أو احتكار بل هي كالدين إن كان ربها مديرا زكاها العامل على حكم الإدارة مطلقا وإن كان محتكرا زكاها لعام واحد على حكم الاحتكار مطلقا بخلاف السابقة فيراعى فيها كل منهما كما يدل عليه كلام التوضيح فإن احتكر العامل وأدار رب المال فإن تساويا أو كان ما بيد العامل أكثر فكل على حكمه وإلا فالجميع للإدارة كما يأتي في قوله وإن اجتمع إدارة واحتكار إلخ وإن احتكرا أو العامل فكالدين وإنما روعي كل منهما لأن العامل في هذه الحالة وكيله فشراؤه كشرائه بنفسه ا هـ كلامه وقد يقال إن الدين الذي يزكيه المدير كل عام هو دين التجر كما يأتي وحيث كان الربح كله للعامل فهو كالقرض وحينئذ فمقتضاه أنه لا يزكى إلا لعام بعد قبضه ولو كان مديرا كما هو ظاهر نص التوضيح لكنه خلاف السماع الذي في المواق من أنه يزكيه لكل عام فتأمل ( قوله حيث علم بقاءها ) أي وأما إن لم يعلم فإنه يصبر حتى يعلم فإن علم زكاها لماضي الأعوام ( قوله وإن كان على أن الضمان على العامل ) أي وإن دفعت للعامل يتجر فيها والربح له خاصة وشرط الضمان عليه .

( قوله فالحكم كما في المصنف ) أي من أن ربها يزكيها لعام واحد بعد قبضها وإن اختلفا من جهة أنه في صورة اشتراط الضمان على العامل يجب على العامل أن يزكي تلك العين كل عام من عنده إن كان عنده من العروض ما يساويها لتعلقها بذمته كالدين وأما في صورة اشتراط عدم الضمان فلا يزكيها العامل أصلا ولو كان عنده من العروض ما يقابلها لعدم تعلقها بذمته وإنما يزكيها ربها لعام بعد قبضها كما قال المصنف ( قوله إلى القرض ) أي فصارت دينا في ذمته ودين القرض لا يختلف فيه المدير والمحتكر فكل منهما يزكيه لعام بعد قبضه ممن هو عليه .




الخدمات العلمية