الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة السابعة : تجوز الصلاة في جوف الكعبة عند عامة أهل العلم ، ويتوجه إلى أي جانب شاء ، وقال مالك : يكره أن يصلي في الكعبة المكتوبة ؛ لأن من كان داخل الكعبة لا يكون متوجها إلى كل الكعبة ، بل يكون متوجها إلى بعض أجزائها ، ومستدبرا عن بعض أجزائها ، وإذا كان كذلك لم يكن مستقبلا لكل الكعبة فوجب أن لا تصح صلاته ؛ لأن الله تعالى أمر باستقبال البيت ، قال : وأما النافلة فجائزة ؛ لأن استقبال القبلة فيها غير واجب ، حجة الجمهور ما أخرجه الشيخان في الصحيحين ، ورواه الشافعي - رضي الله عنه - أيضا عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه - عليه الصلاة والسلام - دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد ، وعثمان بن أبي طلحة ، وبلال فأغلقها عليه ومكث فيها ، قال عبد الله بن عمر : فسألت بلالا حين خرج : ماذا صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : جعل عمودا عن يساره ، وعمودين عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه ، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ، ثم صلى ، واعلم أن الاستدلال بهذا الخبر ضعيف من وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : أن خبر الواحد لا يعارض ظاهر القرآن .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : لعل تلك الصلاة كانت نافلة ، وذلك عند مالك جائز . وثالثها : أن مالكا خالف هذا الخبر ، ومخالفة الراوي وإن كانت لا توجب الطعن في الخبر إلا أنها تفيد نوع مرجوحية بالنسبة إلى خبر واحد خلا عن هذا الطعن ، فكيف بالنسبة إلى القرآن . ورابعها : أن الشيخين أوردا في الصحيحين عن ابن جريج عن عطاء : سمعت ابن عباس قال : لما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه ، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال : " هذه القبلة " والتعارض حاصل من وجهين :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن النفي والإثبات يتعارضان .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : قوله - صلى الله عليه وسلم - : " هذه القبلة " يدل على أنه لا بد من توجه ذلك الموضع ومن جوز الصلاة داخل البيت لا يوجب عليه استقبال ذلك الموضع بل جوز استدباره .

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب عن استدلال مالك - رحمه الله - أن نقول : قوله : ( وحيثما كنتم ) إما أن يكون صيغة عموم أو لا يكون فإن كان صيغة عموم فقد تناول الإنسان الذي يكون في البيت ، فكأنه تعالى أمر من كان في البيت أن يتوجه إليه ، فالآتي به يكون خارجا عن العهدة ، وإن لم يكن صيغة عموم لم تكن الآية متناولة لهذه المسألة البتة ، فلا تدل على حكمها لا بالنفي ولا بالإثبات ، ثم المعتمد في المسألة أن الإنسان الواحد لا يمكنه أن يتوجه إلى كل البيت ، بل إنما يمكنه أن يتوجه إلى جزء من أجزاء البيت ، والذي في البيت يتوجه إلى جزء من أجزاء البيت فقد كان آتيا بما أمر به فوجب أن يخرج عن العهدة .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية