الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة
            فَتْحُ مَكَّةَ وَقَعَتْ غَزْوَةُ فَتْحِ مَكَّةَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ وَكَانَ سَبَبُهَا نَقْضَ قُرَيْشٍ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي بَكْرٍ كَانَتْ قَدْ دَخَلَتْ فِي حِلْفِ قُرَيْشٍ وَبَنِي خُزَاعَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي حِلْفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَاتَلَتْ بَنُو بَكْرٍ خُزَاعَةَ وَقَتَلُوهُمْ حَتَّى أَلْجَؤُوهُمْ إِلَى الْحَرَمِ وَقَتَلُوهُمْ فِيهِ، وَعَاوَنَتْهَا قُرَيْشٌ بِالسِّلَاحِ وَالرِّجَالِ خِفْيَةً، وَقَدِمَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ يُنَاشِدُهُ النَّصْرَ بِمَا بَيْنَهُمْ مِنْ حَلِفٍ وَإِسْلَامٍ ذَاكِرًا مَا فَعَلَتْهُ بَنُو بَكْرٍ وَقُرَيْشٌ بِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نُصِرْتَ يَا عَمْرَو بْنَ سَالِمٍ فَمَا بَرِحَ حَتَّى مَرَّتْ عَنَانَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فَرَعَدَتْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ هَذِهِ السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ وَعَلَى إِثْرِ ذَلِكَ أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قُرَيْشٍ يُخَيِّرُهَا بَيْنَ ثَلَاثٍ، إِمَّا أَنْ يَدُوا الْقَتْلَى مِنْ خُزَاعَةَ أَوْ يَتَبَرَّؤُوا مِنْ حِلْفِ بَنِي نُفَاثَةَ أَوْ أَنْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ فَاخْتَارَتْ قُرَيْشٌ خِيَارَ الْحَرْبِ. وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَكَأَنَّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ قَدْ جَاءَ يَقُولُ : جَدِّدِ الْعَهْدَ وَزِدْ فِي الْهُدْنَةِ ، وَهُوَ رَاجِعٌ بِسُخْطِهِ فَكَانَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِالْجِدِّ وَالتَّجْهِيزِ لِلْغَزْوِ، وَأَخَذَ فِي جِهَازِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْفَى وُجْهَتَهُ وَقَالَ : اللَّهُمَّ خُذِ الْعُيُونَ وَالْأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَهَا فِي بِلَادِهَا فَتَجَهَّزَ النَّاسُ وَكَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كِتَابًا وَأَرْسَلُهُ مَعَ امْرَأَةٍ إِلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِمَسِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَكُونَ لَهُ يَدٌ عِنْدَ قُرَيْشٍ فَلَا يَعْدُوا عَلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ إِذْ لَيْسَ فِيهَا مَنْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ بِمَا صَنَعَ حَاطِبٌ فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِ الْمَرْأَةِ وَالْكِتَابِ، وَعَاتَبَ حَاطِبًا فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ مَا فَعَلَ ذَلِكَ كُفْرًا أَوْ نِفَاقًا وَلَكِنَّ خَوْفًا عَلَى أَهْلِهِ، وَأَرَادَ عُمَرُ الْإِذْنَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اطَّلَعَ إِلَى أَصْحَابِ بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" وَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً إِلَى بَطْنِ إِضَمَ لِيَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ هَذِهِ وُجْهَتُهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَوْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ يُوَافُوهُ بِالْمَدِينَةِ فِي رَمَضَانَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا رُهْمٍ كُلْثُومَ بْنَ حُصَيْنٍ الْغِفَارِيَّ، وَيُقَالُ: ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَجِّهًا إِلَى مَكَّةَ مَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَطَوَائِفُ مِنَ الْعَرَبِ وَقَادُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوُا الْإِبِلَ وَقَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَامَهُ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فِي مِائَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِيدًا عَقَدَ الْأَلْوِيَةَ وَالرَّايَاتِ وَدَفَعَهَا إِلَى الْقَبَائِلِ، وَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَأَسْلَمَا. وَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْفِطْرِ رُخْصَةً وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْفِطَرَ أَقْوَى لَهُمْ. وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَتَلَمَّسُونَ خَبَرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَاجَأَهُمْ جَيْشُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَتَى بِهِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَدْ أَمَّنَهُ حَتَّى دَخَلَ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْلَمَ، وَأَمَرَ بِأَبِي سُفْيَانَ فَأُوقِفَ عَلَى الطَّرِيقِ حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللَّهِ فَيَرَاهَا، وَظَلَّ أَبُو سُفْيَانَ يَسْأَلُ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْجَيْشِ وَيَتَعَجَّبُ مِنْ أَمْرِهِمْ حَتَّى مَرَّتْ بِهِ كَتِيبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَضْرَاءُ فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فِي الْحَدِيدِ لَا يُرَى مِنْهُمْ إِلَّا الْحَدَقُ. وَأَمَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا فَجَعَلَ مَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ أَوِ الْمَسْجِدَ أَوْ بَيْتَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، إِلَّا بَعْضُ نَفَرٍ مِنْهُمْ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ خَطَلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ، وَالْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ وَغَيْرُهُمْ إِلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي السَّرْحِ أَمَّنَهُ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ أَخُوهُ فِي الرَّضَاعَةِ وَكَانَ قَدِ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَتَلَ جَارِيَتَيْنِ لِابْنِ خَطَلٍ أَيْضًا. وَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ فَاتِحًا وَكَانَ لِوَاؤُهُ أَبْيَضَ وَرَايَتُهُ الْعُقَابُ سَوْدَاءَ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ وَأَلَّا يَقْتُلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ. وَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُبَّةٍ بِالْحَجُونِ ضُرِبَتْ لَهُ، وَاغْتَسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَصَلَّى صَلَاةَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ. وَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَطَلَبَ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ فَأَخَذَهُ وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ فَصَلَّى بِهَا، وَخَطَبَ فِي النَّاسِ وَكَانَ فِيمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَاذَا تَقُولُونَ ؟ مَاذَا تَظُنُّونَ ؟ " قَالُوا : نَقُولُ خَيْرًا وَنَظُنُّ خَيْرًا ، نَبِيٌّ كَرِيمٌ ، وَأَخٌ كَرِيمٌ ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ ، وَقَدْ قَدَرْتَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ : لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يُوسُفَ 92] «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ" فَخَرَجُوا كَأَنَّمَا نُشِرُوا مِنَ الْقُبُورِ فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ. وَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ وَرَدَّهُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ وَقَالَ: «خُذُوهَا خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَكْسِيرِ الْأَصْنَامِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَبَايَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ وَالنِّسَاءَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَقَامَ بِلَالٌ فَارْتَقَى فَوْقَ الْكَعْبَةِ فَأَذَّنَ، وَأَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ السَّائِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَعُتْبَةُ وَمُعَتِّبٌ وَلَدَا أَبِي لَهَبٍ، عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ. وَبَثَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرَايَاهُ وَفَرَّقَهَا لِتَحْطِيمِ الْأَصْنَامِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَوَضَعَ الْهِجْرَةَ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ : «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" وَقَدْ تَخَوَّفَتِ الْأَنْصَارُ أَنْ يَبْقَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ مُطَمْئِنًا: الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ

            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


            الخدمات العلمية