الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 5363 10 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: خَرَجْنَا وَمَعَنَا غَالِبُ بْنُ أَبْجَرَ فَمَرِضَ فِي الطَّرِيقِ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ فَعَادَهُ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ فَقَالَ لَنَا: عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحُبَيْبَةِ السُّوَيْدَاءِ فَخُذُوا مِنْهَا خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَاسْحَقُوهَا، ثُمَّ اقْطُرُوهَا فِي أَنْفِهِ بِقَطَرَاتِ زَيْتٍ فِي هَذَا الْجَانِبِ وَفِي هَذَا الْجَانِبِ، فَإِنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَدَّثَتْنِي أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا مِنَ السَّامِ قُلْتُ: وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: الْمَوْتُ. عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ فِي قَوْلِهِ: "إِنَّ فِي هَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ" وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ كَذَا سَمَّاهُ وَنَسَبَهُ لِجَدِّهِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَاسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ، وَشُهْرَتُهُ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرُ مِنِ اسْمِهِ، مَاتَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ شَيْخُ مُسْلِمٍ أَيْضًا، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مُوسَى الْكُوفِيُّ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ هُنَا بِالْوَاسِطَةِ، وَإِسْرَائِيلُ هُوَ ابْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ وَخَالِدُ بْنُ سَعْدٍ مَوْلَى أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ الْأَنْصَارِيِّ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَغَالِبُ بْنُ أَبْجَرَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَبِالرَّاءِ هُوَ الصَّحَابِيُّ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ وَهَذَا حَدِيثٌ عَزِيزٌ. قَوْلُهُ: "بِهَذِهِ الْحُبَيْبَةِ السُّوَيْدَاءِ" كَذَا وَقَعَ بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ السَّوْدَاءِ. قَوْلُهُ: "فَإِنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْنِي أَنَّ فِي هَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءً" كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ "إِنَّ فِي هَذِهِ الْحَبَّةِ شِفَاءً" وَفِي رِوَايَةٍ "هَذِهِ الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْمِلْحِ" يُرِيدُ بِهِ الْكَمُّونَ وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ جَرَتْ أَنْ يُخْلَطَ بِالْمِلْحِ. قَوْلُهُ: "مِنْ كُلِّ دَاءٍ" بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ الِانْتِفَاعَ بِالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ فِي كُلِّ دَاءٍ غَيْرِ الْمَوْتِ، وَأَوَّلَهُ الْمُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ بِأَكْبَرِ الْأَدْوَاءِ، وَعَدَّدَ جُمْلَةً مِنْ مَنَافِعِهَا، وَكَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ مِنَ الْعُمُومِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، وَلَيْسَ يَجْتَمِعُ فِي شَيْءٍ مِنَ النَّبَاتِ جَمِيعُ الْقُوَى الَّتِي تُقَابِلُ الطَّبَائِعَ كُلَّهَا فِي مُعَالَجَةِ الْأَدْوِيَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ شِفَاءَ كُلِّ دَاءٍ يَحْدُثُ مِنَ الرُّطُوبَةِ وَالْبَلْغَمِ; لِأَنَّهُ حَارٌّ يَابِسٌ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ إِرَادَةَ الْعُمُومِ مِنْهُ بِأَنْ يَكُونَ شِفَاءً لِلْكُلِّ لَكِنْ بِشَرْطِ تَرْكِيبِهِ مَعَ الْغَيْرِ وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ، بَلْ تَجِبُ إِرَادَةُ الْعُمُومِ; لِأَنَّ جَوَازَ الِاسْتِثْنَاءِ مِعْيَارُ وُقُوعِ الْعُمُومِ، فَهُوَ أَمْرٌ مُمْكِنٌ، وَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ عَنْهُ، وَاللَّفْظُ عَامٌّ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ، أَفَيَجِبُ الْقَوْلُ بِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: الْعَسَلُ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ أَقْرَبُ إِلَى أَنْ يَكُونَ دَوَاءً لِكُلِّ دَاءٍ مِنَ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ مِنَ الْأَمْرَاضِ مَا لَوْ شَرِبَ صَاحِبُهُ الْعَسَلَ لَتَأَذَّى بِهِ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الْعَسَلِ: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ الْأَكْثَرَ الْأَغْلَبَ، فَحَمْلُ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ عَلَى ذَلِكَ أَوْلَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصِفُ الدَّوَاءَ بِحَسَبِ مَا يُشَاهِدُهُ مِنْ حَالِ الْمَرِيضِ، فَلَعَلَّ قَوْلَهُ: "فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ" وَافَقَ مَرَضَ مَنْ مِزَاجُهُ بَارِدٌ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: "شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ" أَيْ: مِنْ هَذَا الْجِنْسِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْقَوْلُ، وَالتَّخْصِيصُ بِالْحَيْثِيَّةِ كَثِيرٌ شَائِعٌ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَكَلَّمَ نَاسٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَخَصُّوا عُمُومَهُ وَرَدُّوهُ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الطِّبِّ وَالتَّجْرِبَةِ، وَلَا خَفَاءَ بِغَلَطِ قَائِلِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّا إِذَا صَدَّقْنَا أَهْلَ الطِّبِّ -وَمَدَارُ عِلْمِهِمْ غَالِبًا إِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّجْرِبَةِ الَّتِي بِنَاؤُهَا عَلَى ظَنٍّ غَالِبٍ- فَتَصْدِيقُ مَنْ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ كَلَامِهِمْ. قَوْلُهُ: "إِلَّا مِنَ السَّامِ" بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ. قَوْلُهُ: "قُلْتُ: وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: الْمَوْتُ" لَمْ يُدْرَ السَّائِلُ وَلَا الْمُجِيبُ، وَقِيلَ: بِالظَّنِّ إِنَّ السَّائِلَ خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ، وَالْمُجِيبَ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية