الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                                      التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل

                                                                                                                                                                                                                                      المهدوي - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي

                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 266 ] القول في قوله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين إلى قوله: خالدين فيها ذلك الفوز العظيم [الآيات: 60- 90].

                                                                                                                                                                                                                                      إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم يحذر المنافقون أن تنـزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا .أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون [ ص: 267 ] ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب . الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون [ ص: 268 ] فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون وإذا أنـزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين .فيها ذلك الفوز العظيم .

                                                                                                                                                                                                                                      الأحكام والنسخ:

                                                                                                                                                                                                                                      قال مجاهد، وعكرمة، والزهري: (الفقير) : الذي لا يسأل، و (المسكين) : الذي يسأل، وروي ذلك أيضا عن ابن عباس.

                                                                                                                                                                                                                                      وعن ابن عباس أيضا: (الفقراء) : من المسلمين، و (المساكين) : من أهل الذمة، وقاله الضحاك.

                                                                                                                                                                                                                                      وعن الضحاك: (الفقراء) : من المهاجرين، و (المساكين) : من الأعراب الذين لم يهاجروا.

                                                                                                                                                                                                                                      قتادة: (الفقير) : ذو الزمانة من أهل الحاجة، و (المسكين) : الصحيح منهم.

                                                                                                                                                                                                                                      الشافعي: (الفقراء) : الذين لا مال لهم، ولا حرفة تغنيهم، و (المساكين) : الذين لهم مال أو حرفة لا تغنيهم.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 269 ] أبو ثور: (الفقير): الذي لا شيء له، و (المسكين) : الذي لا يكسب من كسبه ما يقوته.

                                                                                                                                                                                                                                      عبد الله بن الحسن: (المسكين) : الذي يخضع ويستكين وإن لم يسأل، و (الفقير) : الذي يتحمل، ويقبل الشيء سرا.

                                                                                                                                                                                                                                      محمد بن مسلمة: (الفقير) : الذي له المسكن يسكنه والخادم إلى ما هو أسفل من ذلك، و (المسكين) : الذي لا مال له.

                                                                                                                                                                                                                                      الطبري: (الفقير) : الذي يعطى لفقره لا غير، و (المسكين) : الذي يكون عليه مع فقره الخضوع، وذل السؤال.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: (الفقير) و (المسكين) واحد، إلا أنه وصف بصفتين؛ لتأكيد أمره.

                                                                                                                                                                                                                                      وتقدم القول في اشتقاق (الفقير) ، و (المسكين) .

                                                                                                                                                                                                                                      وحد الفقر الذي يجوز لصاحبه الأخذ من الزكاة: [أن من عنده الدار والخادم لا يستغني عنهما، ولا فضل في ثمنهما إن باعهما؛ له أن يأخذ من الزكاة] عند مالك، والنخعي، والثوري، وغيرهم.

                                                                                                                                                                                                                                      أبو حنيفة: من معه عشرون دينارا، أو مئتا درهم؛ فلا يأخذ من الزكاة.

                                                                                                                                                                                                                                      الحسن البصري: لا يأخذ منها من له أربعون درهما.

                                                                                                                                                                                                                                      الثوري، وابن حنبل، وإسحاق، وغيرهم: لا يأخذ منها من له خمسون [ ص: 270 ] درهما، أو قدرها من الذهب.

                                                                                                                                                                                                                                      الشافعي، وأبو ثور: من كان قويا على الكسب والتحرف، مع قوة البدن وحسن التصرف، حتى يغنيه ذلك عن الناس؛ فالصدقة عليه حرام.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال بعض العلماء: لكل أحد أن يأخذ من الصدقة فيما لا بد له منه.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال قوم: من عنده عشاء ليلة؛ فهو غني، وروي معناه عن علي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

                                                                                                                                                                                                                                      وحكي عن الشافعي: أن من يجب له أخذ الزكاة يعطى منها حتى يستغني، ويزول عنه اسم الفقر، وهو قول أبي ثور، وقال الثوري وابن حنبل: لا يعطى منها أكثر من خمسين درهما، إلا أن يكون غارما.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: والعاملين عليها يعني: السعاة الذين يبعثهم الإمام يعطون من الزكاة، كانوا أغنياء أو فقراء، على قدر اجتهاد الإمام.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية