الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل [في صفة تصرفه في اللقطة]

                                                                                                                                                                                        ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في اللقطة: "عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها" ، وقال أيضا في البخاري ومسلم: "فإن لم تعترف فاستنفقها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه" ، وفي النسائي: "فإن لم يجئ صاحبها فهي مال الله يؤتيه من يشاء" ، فأباح له أن يتصرف فيها لنفسه بعد الحول.

                                                                                                                                                                                        واختلف في صفة تصرفه فيها، فقال مالك: لا أحب أن يأكلها وليحبسها أو يتصدق بها، فإن جاء صاحبها أداها إليه . وقال القاضي أبو الحسن علي بن القصار: يكره أن يأكلها غنيا كان أو فقيرا، فإن أكلها جاز. يريد: ولا تنتزع منه إن لم يجئ صاحبها. وقال ابن شعبان: له ذلك إن كان غنيا بمثلها. وقال ابن وهب في العتبية: إن كانت قليلة وكان فقيرا أكلها، فإن أتى صاحبها أداها إليه . والذي يقتضيه قول ابن القاسم في المدونة أن له أن يستمتع به غنيا كان أو فقيرا، والذي يقتضيه قول أشهب أن ذلك له إن كان غنيا.

                                                                                                                                                                                        واللقطة أربع: العين، والعروض، والحيوان، والطعام. فإن كانت عينا [ ص: 3201 ] جاز له التصرف فيها حسبما تقدم، وفيه جاء الحديث.

                                                                                                                                                                                        واختلف في العروض إذا باعه، فقال ابن القاسم: البيع جائز وإن بيع بغير أمر السلطان، وإن جاء صاحبها لم ينقض البيع .

                                                                                                                                                                                        وقال أشهب له أن ينقض البيع، وإن فات كان له الأكثر من القيمة أو الثمن.

                                                                                                                                                                                        وله بيع الحيوان والآبق بعد الحول فليس عليه أن يتكلف أمره أكثر من السنة، وإن كان طعاما لا يخشى فساده بعد السنة جاز بيعه عند ابن القاسم، ولم يجز عند أشهب، وإن خشي فساده من سوس أو غيره جاز البيع وإن لم تتم السنة، فأجاز ابن القاسم بيع العروض، وحمل الحديث أنه بعد السنة في حكم من يئس منه، وعلى هذا يكون له أن ينفقها إن كانت عينا موسرا كان أو فقيرا، وحمل الحديث على العين خاصة لما كان لا ضرر على صاحبه في إنفاقه، وإذا لم يجز في العرض لم يجز أن ينفق العين إلا أن يكون موسرا بها فيضمنها إن أتى صاحبها.

                                                                                                                                                                                        وكذلك الصدقة بها تجوز على القول الأول وإن كان الملتقط فقيرا، ولا تجوز على القول الآخر إلا أن يكون غنيا، يشهد للأول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "فشأنك بها"، وقوله: "فأنفقها"، فعم، ولم يقل إذا كان قادرا على الأداء، ويشهد للقول الآخر قوله "فأدها إليه"، فإذا كان مطالبا بالأداء فلا يباح لمن كان عاجزا عنه، والأول أبين لقوله - صلى الله عليه وسلم - "فذلك مال الله يؤتيه من يشاء".

                                                                                                                                                                                        وقال ابن القاسم: إذا تصدق بها ثم جاء صاحبها، فإن كانت قائمة بأيدي [ ص: 3202 ] المساكين فله أخذها، وإن أكلوها لم يضمنوها ، وقال في الدمياطية في الذي يلتقط الثوب أو السيف فيتصدق به فيبيعه المساكين ثم يأتي صاحبها وهم قد أكلوه: أنه يرجع على الذي اشتراه من المساكين ويرجع الذي اشتراه من المساكين على الذي تصدق به عليهم.

                                                                                                                                                                                        وقال أشهب في مدونته: إن كانت بأيدي المساكين ولم يدخلها نقص لم يكن لصاحبها إلا أخذها، وسواء تصدق بها عن نفسه أو عن صاحبها، وإن نقصت كان بالخيار بين أن يأخذها بنقصها ولا تباعة له على الملتقط أو يضمنه قيمتها، فإن ضمنه قيمتها، وكان قد تصدق بها عن صاحبها كان للملتقط أن يرجع فيها فيأخذها، وإن تصدق بها عن نفسه لم يرجع فيها، وإن أكلها المساكين كان لربها أن يضمنهم إياها، فإن كان قمحا فأكلوه غرموا مثله أو حيوانا باعوه غرموا ما باعوه به إن شاء ربها، وإن شاء أخذ الملتقط بقيمتها يوم تصدق بها عن نفسه أو عن صاحبها .

                                                                                                                                                                                        ولا تخلو الصدقة بها من ثلاثة أوجه: إما أن يتصدق بها عن صاحبها أو عن نفسه، أو ليكون صاحبها بالخيار، فإن تصدق بها عن صاحبها وهي عين وكانت قائمة بأيدي المساكين لم يكن لصاحبها إلا أن يأخذها، وإن تصدق بها عن نفسه وهو موسر لم يأخذها وكان له أن يغرمها الملتقط، وإن كان ليكون صاحبها بالخيار وهو موسر، فكذلك أيضا ليس له أن يأخذها وهو بالخيار بين أن يكون له أخذها أو يغرمها الملتقط، وإن كانت عرضا وهو موجود بأيدي [ ص: 3203 ] المساكين كان الجواب على ما قاله أشهب، وإن باعوه وغاب به المشتري عاد الجواب إلى ما تقدم في العين فيكون مقاله مع الملتقط، وإن لم يفت لم يكن له أخذه على قول ابن القاسم كما لو باعه الملتقط لنفسه إلا أن يكون أعطاه للمساكين صدقة عن صاحبه.

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية