الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        باب: في الإمام يستخلف، وفيمن لم يصل مع خليفة الإمام، وإذا لم يستخلف واستخلفوا لأنفسهم، أو صلوا وحدانا، أو طائفتين بإمامين

                                                                                                                                                                                        ومن المدونة قال مالك: وإذا أحدث الإمام فله أن يستخلف. قيل لابن القاسم: فإن قدم الإمام رجلا هل يكون إماما قبل أن يبلغ موضع الإمام الأول؟ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئا، إلا أن مالكا قال: إذا أحدث الإمام فله أن يستخلف.

                                                                                                                                                                                        قال الشيح: إذا قبل استخلاف الإمام كان إماما في موضعه ذلك، فإن كان موضع الإمام قريبا تقدم إليه، وإن كان بعيدا صلى بهم في موضعه. ويستحب للإمام الأول أن يستخلف من الصف الأول، قال ابن القاسم: وإن استخلف بكلام وقال: يا فلان تقدم بهم، لم يضرهم; لأنه في غير صلاة.

                                                                                                                                                                                        وقال في العتبية: وإن قدمه في بعض القراءة قرأ الثاني من حيث انتهى الأول. وإن أحدث راكعا فليرفع رأسه ويستخلف من يدب راكعا فيرفع بهم. وقيل: يستخلف قبل أن يرفع رأسه; لئلا يرفعوا برفعه.

                                                                                                                                                                                        قال ابن القاسم: وإن استخلف في الجلوس تقدم بهم جالسا، وفي القيام يتقدم بهم قائما. [ ص: 541 ]

                                                                                                                                                                                        وقال سحنون في كتاب ابنه: وإن استخلف الإمام رجلا فلم يتقدم حتى تقدم غيره وصلى المستخلف وراءه- فصلاتهم تامة.

                                                                                                                                                                                        فلم ير استخلاف الإمام مما يلزم المستخلف قبوله، ولا يكون باستخلافه إماما، وحمل قول مالك: له أن يستخلف- أن ذلك جائز; لأن ذلك من حسن النظر لهم لما كانوا ممنوعين من الكلام، وليس بلازم له ولا لهم أن يستخلف; لأنهم إنما التزموا إمامة الأول، ولم يجعلوا له أن يستخلف; لأن ما حدث على الإمام أمر طرأ لم يتحسسوا إليه في حين ائتمامهم به، فيجعلوا له أن يستخلف عليهم فيه، فإذا غلب الإمام على تمام الصلاة- كانوا في حكم أنفسهم، فإن استخلف الإمام الأول رجلا مكانه كان المستخلف بالخيار بين القبول والترك، وإن قبل أيضا كانوا بالخيار بين الصلاة خلفه أو يستخلفوا غيره. وهذا الذي يقتضيه قول سحنون.

                                                                                                                                                                                        واختلف في ثلاثة مواضع:

                                                                                                                                                                                        أحدها: إذا صلوا وحدانا بغير إمام.

                                                                                                                                                                                        والثاني: إذا صلوا بإمامين.

                                                                                                                                                                                        والثالث: إذا استخلف الإمام من فاتته ركعة، فقام بعد فراغه من صلاة الإمام للقضاء، فيما يفعله من خلفه؟

                                                                                                                                                                                        فقال ابن القاسم في المدونة: إذا صلوا وحدانا كانت صلاتهم تامة. [ ص: 542 ]

                                                                                                                                                                                        وقال ابن عبد الحكم في كتاب محمد: لا تجزئهم. قال: ومن ابتدأ الصلاة بإمام فأتمها فذا، أو ابتدأها فذا وأتمها بإمام فليعد.

                                                                                                                                                                                        قال: وكذلك من لزمه أن يقضي فذا فقضى بإمام. يريد: مثل من فاتتهم ركعة فلا يقضونها بإمام.

                                                                                                                                                                                        وقول ابن القاسم في الذين قضوا بعد حدث الإمام أفذاذا- أحسن; لأنهم إنما دخلوا على إمامة رجل بعينه، فلما غلبوا عليه بقوا أفذاذا بغير إمام، فصلوا على ما بقوا عليه، ولم تلزمهم إمامة آخر; لأنهم لم يكونوا التزموها.

                                                                                                                                                                                        وقال أشهب في مدونته: إن قدموا رجلين فأم هذا طائفة وهذا طائفة- كانت صلاة جميعهم مجزئة، وبئس ما صنعت الطائفة الثانية بتقديمها الإمام.

                                                                                                                                                                                        وهذا موافق لقول ابن القاسم; لأنه إذا صح أن يصلوا كل واحد لنفسه- صح أن يصلوا بإمامين، أو بعضهم بإمام وبعضهم لنفسه.

                                                                                                                                                                                        وعلى قول ابن عبد الحكم لا يصلون طائفتين، وإن فعلوا صحت صلاة من استخلف أولا، إلا أن يكون الثاني أحق بالإمامة.

                                                                                                                                                                                        وقال أشهب في مدونته: إن أحدث الإمام وهو مسافر وخلفه مسافرون ومقيمون، فقدم رجلا من المقيمين، وكان الإمام صلى بهم ركعة بسجدتيها: فإن هذا المقيم يصلي تمام صلاة المسافر، فإذا تشهد قام فصلى لنفسه تمام صلاة المقيم. وإن تأخر إذا تشهد من غير أن يسلم وقدم رجلا من المسافرين فسلم بهم، ثم قام المقيمون فقضوا ما بقي عليهم من صلاتهم وحدانا بغير إمام- [ ص: 543 ] رأيت ذلك جائزا، وإن قام فصلى لنفسه بقية صلاة المقيم فاتبعه المقيمون وثبت المسافرون جلوسا حتى أتم بالمقيمين ثم سلم بهم وسلموا جميعا بسلامه المقيمون والمسافرون- رأيت ذلك مجزئا عنهم جميعا. وعلى قول ابن عبد الحكم تفسد صلاة من اتبعه من المقيمين.

                                                                                                                                                                                        وذكر سحنون في المجموعة قولا ثالثا: أن الإمام إذا استخلف من فاتته ركعة فقام لقضائها بعد فراغه من صلاة الإمام ومعه من فاتته تلك الركعة- أن لهم أن يقوموا لقضائها فيصليها كل واحد منهم لنفسه ثم يسلمون بسلامه.

                                                                                                                                                                                        قال الشيخ -رضي الله عنه-: كل ذلك واسع وأرى من فاتته ركعة إذا كان المستخلف من فاتته ركعة وقام لقضائه بالخيار بين خمسة أوجه:

                                                                                                                                                                                        إن شاؤوا صلوا تلك الركعة وسلموا وانصرفوا، قياسا على الطائفة الأولى في صلاة الخوف، أنها تتم الآن وتنصرف، ولا تنتظر فراغ صلاة الإمام.

                                                                                                                                                                                        وإن شاؤوا استخلفوا من يسلم بهم كما قال أشهب.

                                                                                                                                                                                        وإن شاؤوا قضوا معه ما سبقهم به الإمام أو أفذاذا.

                                                                                                                                                                                        وإن شاؤوا أمهلوا حتى يسلموا بسلامه; لأنه إذا كان كل واحد منهم في قضاء لم يكن بين فراغهم بعد.

                                                                                                                                                                                        وإن شاءوا صبروا حتى يقضي المستخلف ركعة ثم يقضون، قياسا على حديث ابن عمر في الطائفة الأولى في صلاة الخوف: [ ص: 544 ] أنهم لا يتمون حتى تنقضي صلاة إمامهم. وبه أخذ أشهب.

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية