الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل [في عتق الرقاب من الزكاة]

                                                                                                                                                                                        وأما قول الله سبحانه : وفي الرقاب [البقرة : 177] . يريد : العتق ، فينبغي أن تشترى من الزكاة رقبة مسلمة ، سالمة من العيوب ، ليس فيها عقد حرية مما يكون ولاؤها للمسلمين .

                                                                                                                                                                                        واختلف في خمس : في عتق المعيب ، وإعطاء المكاتب ، وهل يعطى الرجل مالا ليعتق عبده ، أو يفدي به أسيرا أو يعتق بعض عبد ، فقال أصبغ في العتبية : إن أعتق عبدا معيبا ، مما لا يجزئ عن الواجبات- لم يجزئه . والذي يدل [ ص: 975 ] عليه قول مالك وغيره من أصحابه- أنها تجزئه . وقال أحمد بن نصر : إنها تجزئه . ولم يجز مالك في كتاب محمد ، أن يعطى من الزكاة لمن يعتق عبده عن نفسه ، وأجازه في مختصر ما ليس في المختصر .

                                                                                                                                                                                        وكره مالك في المدونة ، أن يعان منها مكاتب . وأجازه غيره ، فإن وفى وإلا انتزع منه ذلك .

                                                                                                                                                                                        وقال مالك في كتاب محمد : إن أعطي ما يتم به عتقه ؛ فلا بأس . وقال أيضا : لا يعجبني ذلك . وقال أصبغ ، ومحمد بن عبد الحكم : يجزئه . وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب : لا يفتدي منه أسيرا . وأجاز ذلك ابن حبيب ، ومحمد بن عبد الحكم ، فأجرى أمر العتق من الزكاة مرة مجرى العتق عن الواجبات ؛ الظهار والقتل ، فلا يجزئه إلا ما يجزئ فيه ، ومرة لم يقس عليه .

                                                                                                                                                                                        ويختلف على هذا إذا أعتق بعض عبد ، فمن أجراه مجرى العتق عن [ ص: 976 ] الواجبات ؛ منع ذلك وسواء أعتق بعضا وبقي الباقي رقيقا ، أو أعتق ما تم به عتقه .

                                                                                                                                                                                        ومنع مطرف في كتاب ابن حبيب ، أن يعتق بعض عبد إذا كان لا يتم به عتقه ، وأجازه إذا كان يتم به عتقه ، وراعى في ذلك الولاء ؛ لأن ميراثه إذا لم يتم عتقه لمن له بقية رقه . وإذا تم عتقه ؛ كان للمسلمين من الولاء بقدر ما عتق منه من الزكاة .

                                                                                                                                                                                        وعلى القول في المكاتب والأسير أنها تجزئ ، يجوز عتق بعض عبد وإن لم يتم عتقه ؛ لأنه لا ولاء للمسلمين في المكاتب والأسير ، ولا فيمن أعطي مالا ليعتق عبده عن نفسه . وإذا لم يراع الولاء ؛ فلا شك أن للعبد في عتق بعضه منفعة ، فإن أعتق نصفه ؛ كان له يوم من نفسه .

                                                                                                                                                                                        ولو دفع رجل زكاته للإمام ، فرأى أن يعتق منها ولد رب المال ، أو والده- جاز له ذلك ؛ لأنه فك رقبة ، والولاء للمسلمين ، وهو في هذا أجوز منه في الأسير والمكاتب . [ ص: 977 ]

                                                                                                                                                                                        وقال محمد بن عبد الحكم فيمن أخرج زكاته فلم تنفذ حتى أسر : لا بأس أن يفتدي . ولو افتقر لم يعط منها . ومن اشترى رقبة منها من زكاته ، ثم قال : هي حرة عن المسلمين ، وولاؤها لي ، فإن ولاءها للمسلمين وشرطه باطل ، وهو مجزئ عنه .

                                                                                                                                                                                        واختلف إذا قال : هو حر عني ، وولاؤه للمسلمين ، فقال ابن القاسم : لا تجزئه وولاؤه له .

                                                                                                                                                                                        وقال أشهب في كتاب محمد : تجزئه ، وولاؤه للمسلمين . قال : وكذلك من يعطى عبدا ليعتقه عن سيده فيعتقه عن نفسه ، وهو حر وولاؤه لسيده ، أو يعطى أضحية ليذبحها عن صاحبها ، فذبحها عن نفسه ، فهي مجزية عن صاحبها .

                                                                                                                                                                                        وقد قال العبد الصالح : ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل . وهذا أحسن ؛ لأنه إنما اشتراها للزكاة فهي للمسلمين بنفس الشراء ، ولو [ ص: 978 ] هلكت ، كافت منهم ، فإنما أعتق عن نفسه ملك غيره ، فلا شيء له من ولائه . ولو كان له عبد ملكه ، فقال : هو حر عني ، وولاؤه للمسلمين- لم يجزئه قولا واحدا .

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية