الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل [فيما يجب على من تمتع بالعمرة إلى الحج]

                                                                                                                                                                                        التمتع بالعمرة إلى الحج يوجب الهدي بأربعة شروط ، وهي : أن يأتي بالعمرة في أشهر الحج ، ثم يحج من عامه قبل أن يعود إلى بلده ، أو إلى ما هو في البعد مثل بلده ، وتكون العمرة مقدمة على الحج .

                                                                                                                                                                                        فإن كانت العمرة قبل أشهر الحج ثم حج من عامه ، أو كانت في أشهر الحج ولم يحج من عامه ذلك ، أو حج فيه بعد أن رجع إلى بلده أو إلى موضع هو في البعد مثل بلده ، أو لم يرجع وكانت العمرة بعد الحج في ذي الحجة من ذلك العام لم يكن متمتعا .

                                                                                                                                                                                        وفي كتاب محمد : إذا حل من العمرة ثم خرج إلى قدر مسافة بلده ، قال : إن كان ذلك إلى أفق غير الحجاز ، مثل الشام أو مصر أو العراق فذلك يجزئه ، ويسقط عنه الدم . [ ص: 1153 ]

                                                                                                                                                                                        ولا أعلم لهذا وجها ، وإذا رجع إلى مثل بلده فالحجاز وغيره سواء .

                                                                                                                                                                                        وقال محمد فيمن دخل مكة في أشهر الحج بعمرة ، وهو يريد سكناها ، ثم حج من عامه : أنه متمتع ، ولعله أن يبدو له ، فعليه الهدي .

                                                                                                                                                                                        والصواب في هذا أنه غير متمتع ؛ لأنه من ساكني الحرم ، ومحمله على نيته في الإقامة حتى يحدث نية السفر ، ولو أحدث نية السفر ، وألا يقيم لم يكن متمتعا ؛ لأن هذه نية حدثت بعد صحة النية الأولى .

                                                                                                                                                                                        وقال مالك فيمن له أهل بمكة وأهل ببعض الآفاق ، فقدم مكة معتمرا في أشهر الحج ، قال : هذا من مشتبهات الأمور ، والاحتياط في ذلك أعجب إلي .

                                                                                                                                                                                        وقال أشهب في كتاب محمد : إن كان يأتي أهله بمكة منتابا فعليه الهدي ، وإن كان سكناه بمكة ويأتي التي بغير مكة منتابا فلا هدي عليه .

                                                                                                                                                                                        وهذا صحيح ، ولم يتكلم مالك على مثل هذا ، وإنما جاوب فيمن يكثر المقام بالموضعين .

                                                                                                                                                                                        ومن أتى بعمرة في رمضان فأهل هلال شوال بعد طوافه وسعيه وقبل حلاقه- لم يكن متمتعا ، فإن كان بقي عليه شيء من السعي كان متمتعا ، وهو قول مالك . [ ص: 1154 ]

                                                                                                                                                                                        ويصح أن يقال : إذا لم يبق إلا الشوط والشوطان من السعي أن ليس بمتمتع ؛ لأن اليسير في حيز اللغو .

                                                                                                                                                                                        وقال فيمن قدم معتمرا ، وحل في غير أشهر الحج ، ثم أنشأ عمرة أخرى في أشهر الحج : إنه متمتع .

                                                                                                                                                                                        وفيمن قدم قارنا في غير أشهر الحج ، فطاف وسعى قبل أن يهل هلال شوال : إنه متمتع .

                                                                                                                                                                                        والقياس في هذا : أنه ليس بمتمتع ؛ لأن طوافه وسعيه للعمرة والحج ، وقد انقضت عمرته ، وإنما بقيت عليه أعمال الحج خاصة . ولا شركة للعمرة في شيء مما بقي عليه من الوقوف ورمي وطواف للإفاضة ، إلا الحلاق خاصة ، فإنه لهما ، فقد قال فيمن قدم مراهقا وهو قارن ، ورمى جمرة العقبة : إنه يحلق ، وإن لم يكن طاف .

                                                                                                                                                                                        وقال ابن الجهم : يؤخر الحلاق حتى يطوف ويسعى ؛ لأنه لم يطف للعمرة بعد ، ولم يبح له أن يحلق قبل أن يطوف للعمرة . فإذا طاف بعد الرمي وسعى حل له الحلاق والسعي . وهذا هو القياس ، فإذا منع هذا الحلاق لأن العمرة لم يأت [ ص: 1155 ] عملها بعد ، فكذلك إذا قدم الطواف والسعي قبل أن يهل شوال ؛ لأن العمرة قد انقضت ، ولم يبق إلا الحلاق ، فإن وطئ قبل الوقوف بعرفة فسد الحج وحده . وإن تمتع أهل مكة وأهل ذي طوى لم يكن عليهم دم .

                                                                                                                                                                                        قال إسماعيل القاضي : الأصل في هذا القصر ؛ لأنه لا يقصر حتى يجاوز ذي طوى .

                                                                                                                                                                                        وقد اختلف فيمن سواه ممن قربت داره ، كأهل منى وعرفة ومر الظهران ، فقال مالك : عليهم الدم .

                                                                                                                                                                                        وقال ابن حبيب : القرى المجاورة لمكة مثل مر ظهران وضجنان والنخلتان وعرفة والرجيع ، وما لا تقصر فيه الصلاة لا متعة لهم ، فأما ما بعد مما تقصر فيه الصلاة- عليهم هدي التمتع ، هكذا روى ابن عباس . قال : فهو مذهب مالك وأصحابه .

                                                                                                                                                                                        فرأى أن من كان على ما لا تقصر فيه الصلاة داخل في حاضر المسجد .

                                                                                                                                                                                        وقد اختلف في ذلك ، فقيل : من كان دون المواقيت إلى مكة . [ ص: 1156 ]

                                                                                                                                                                                        وقيل : من كان على ما لا تقصر فيه الصلاة مثل ما حكى ابن حبيب .

                                                                                                                                                                                        والقياس في أهل منى وعرفة : ألا هدي عليهم إن أحرموا بالحج من مكة قبل أن يرجعوا إلى أوطانهم ؛ لأن هؤلاء زادوا ولم ينقصوا ، وقد كان لهم أن يؤخروا الإحرام حتى يرجعوا إلى أوطانهم ، ولا يكون عليهم دم المتعة إن أحرموا بالحج .

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية