الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1506 [ ص: 414 ] حديث ثامن وأربعون ليحيى بن سعيد

مالك ، عن يحيى بن سعيد ، وغير واحد ، عن الحسن بن أبي الحسن البصري ، وعن محمد بن سيرين : أن رجلا في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعتق عبيدا له ستة عند موته ، فأسهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم ، فأعتق ثلث تلك العبيد .

التالي السابق


هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، وغير واحد ، وتابعه طائفة من رواة الموطأ ، وروته - أيضا - جماعة ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن غير واحد ، عن الحسن ، وابن سيرين مثله مرسلا .

وقال مالك : بلغني أنه لم يكن للرجل مال غيرهم ، وهذا الحديث يتصل من حديث الحسن ، وابن سيرين ، عن عمران بن حصين ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو حديث ثابت صحيح .

رواه عن الحسن جماعة منهم : قتادة ، وسماك بن حرب ، وأشعث بن عبد الملك ، ويونس بن عبيد ، ومبارك بن ، فضالة ، وخالد الحذاء ، ويتصل - أيضا - من حديث أبي هريرة من رواية ابن سيرين ، وغيره .

أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد قال : حدثنا أحمد بن الفضل بن العباس حدثنا محمد بن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع ، عن [ ص: 415 ] يزيد بن إبراهيم ، عن الحسن ، وابن سيرين ، عن عمران بن حصين : أن رجلا أعتق ستة أعبد في مرضه ، فأقرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم ، فأعتق اثنين وأرق أربعة .

سقط من هذا الحديث ، ومن حديث مالك قوله فيه : ليس له مال غيرهم ، وهو لفظ محفوظ في هذا الحديث عند الجميع ، والأصول كلها تشهد بأن الأمر الموجب للقرعة بينهم أنه لم يكن له مال غيرهم .

وحدثنا محمد بن خليفة قال : حدثنا محمد بن الحسين البغدادي بمكة قال : حدثنا عبد الله بن صالح البخاري حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عمران بن حصين ، وعن قتادة ، وحميد ، وسماك ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين : أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته ، وليس له مال غيرهم ، فأقرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم ، فأعتق اثنين ، ورد أربعة في الرق .

قال حماد بن سلمة : وحدثنا عطاء الخراساني ، عن سعيد بن المسيب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .

حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقرئ قال : حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة ببغداد قال : حدثنا عبد الله بن محمد البغوي قال : حدثنا علي بن الجعد قال أخبرنا مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين : أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم ، فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقرع بينهم ، فأعتق اثنين ، وأرق أربعة .

[ ص: 416 ] قال أبو عمر : قال يحيى القطان : مبارك أحب إلي في الحسن من الربيع بن صبيح .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا بكر بن حماد ، وحدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قالا : حدثنا مسدد قال : حدثنا حماد ، عن يحيى بن عتيق ، وأيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عمران بن حصين : أن رجلا أعتق ستة أعبد له عند موته ، ولم يكن له مال غيرهم ، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقرع بينهم ، فأعتق اثنين ، وأرق أربعة .

قال يحيى : وقال محمد : لو لم يبلغني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لكان رأيي .

أخبرنا محمد بن خليفة قال أخبرنا محمد بن الحسين قال أخبرنا عبد الله بن أبي داود حدثنا نصر بن علي حدثنا يزيد بن زريع حدثنا هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن عمران بن حصين : أن رجلا كان له ستة أعبد لم يكن له مال غيرهم ، فأعتقهم عند موته ، فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فجزأهم ثلاثة أجزاء ، فأعتق اثنين ، وأرق أربعة .

حدثنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا علي بن المديني قال : حدثنا محمد بن عبد الله قال : حدثنا الأشعث ، عن الحسن ، عن عمران بن [ ص: 417 ] حصين : أن رجلا أعتق ستة مملوكين لم يكن له مال غيرهم عند موته ، فأقرع النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم ، فأعتق اثنين ، فأرق أو أبقى أربعة .

وأخبرنا محمد بن خليفة قال : حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا قاسم بن زكرياء المطرز قال : حدثنا أحمد بن سفيان ، وأبو بكر بن رنجويه قال : حدثنا الفرياني ، عن سفيان ، عن سماك ، وخالد ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين : أن رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد غلمة عند الموت ، فأقرع النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم ، فأعتق ثلثهم ، وقال : لو علمنا ما صلينا عليه أو ما دفن في مقابرنا .

وحدثنا سعيد بن نصير ، وعبد الوارث بن سفيان قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا علي بن المديني حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين : أن رجلا مات ، وأعتق ستة مملوكين ليس له مال غيرهم ، فأقرع النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم ، فأعتق اثنين ، وأرق أربعة ، وقال : لو أدركته ما صليت عليه .

وحدثنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا بكر قال : حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة ، عن سماك بن حرب ، عن الحسن بن أبي الحسن البصري ، عن عمران بن حصين : أن رجلا أعتق عند موته ستة رجلة ، فجاء ورثته من الأعراب ، فأخبروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما صنع ، فقال : أو فعل ذلك ؟ قالوا : نعم قال : لو علمنا إن شاء الله ما صلينا عليه ، فأقرع بينهم ، فأعتق منهم اثنين ، ورد أربعة في الرق .

[ ص: 418 ] وحدثنا سعيد ، وعبد الوارث قالا : حدثنا قاسم حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثنا يونس بن عبيد ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين : أن رجلا كان له ستة أعبد ، فأعتقهم عند موته لم يكن له مال غيرهم ، فرفع ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكره ذلك ، ثم جزأهم ثلاثة أجزاء ، فأقرع بينهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأعتق اثنين ، وأرق أربعة .

حدثنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا حماد بن زيد قال : حدثنا أيوب ، عن محمد : أن عمران بن حصين كان يحدث أن رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد له عند موته لم يكن له مال غيرهم ، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعا بهم ، فجزأهم ، ثم أقرع بينهم ، فأعتق اثنين ، ورد أربعة في الرق .

فهذه رواية الحسن ، وابن سيرين لهذا الحديث ، وقد رواه أبو المهلب ، عن عمران بن حصين - وهو حديث بصري ، انفرد به أهل البصرة .

حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود ، وحدثنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق قالا : حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا حماد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن حصين : أن رجلا أعتق ستة أعبد له عند موته لم يكن له مال غيرهم ، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال للرجل قولا شديدا [ ص: 419 ] ثم دعاهم ، فجزأهم ثلاثة أجزاء ، فأقرع بينهم ، فأعتق اثنين ، وأرق أربعة .

ورواه أبو هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حدثناه سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا عبد الله بن موسى قال : حدثنا إسرائيل ، عن عبد الله بن المختار ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة : أن رجلا كان له ستة أعبد ، فأعتقهم عند موته ، فأقرع النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم ، فأعتق منهم اثنين ، وأرق أربعة .

ورواه بشر بن المفضل ، عن عوف ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكره إسماعيل بن إسحاق حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا بشر بن المفضل قال إسماعيل : وحدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان أخبرنا إسماعيل بن أمية أنه سمع مكحولا يحدث عن سعيد بن المسيب : أن امرأة أعتقت ستة مملوكين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس لها مال غيرهم ، فأقرع النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم ، فأعتق اثنين ، وأرق أربعة .

قال : حدثنا علي أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني قيس بن سعد أنه سمع مكحولا يقول : سمعت سعيد بن المسيب يقول : أعتقت امرأة أو رجل ستة أعبد لها عند الموت لم يكن لها مال غيرهم ، فذكر الحديث .

[ ص: 420 ] قال : وأخبرنا ابن جريج قال : أخبرني سليمان بن موسى قال : سمعت مكحولا يقول : أعتقت امرأة من الأنصار توفيت أعبدا لها ستة ، لم يكن لها مال غيرهم ، فلما بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - غضب ، وقال في ذلك قولا شديدا ، ثم دعا بستة قداح ، فأقرع بينهم ، فأعتق اثنين .

قال سليمان بن موسى : كنت أراجع مكحولا ، فأقول : إن كان ثمن عبد ألف دينار أصابته القرعة فذهب المال ، فقال : قف على أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال ابن جريج قلت لسليمان : الأمر يستقيم على ما قال مكحول قال : كيف ؟ قلت : يقامون قيمة ، فإن زاد اللذان أعتقا على الثلث أخذ منهما ، وإن نقصا أعتق ما بقي - أيضا - بالقرعة ، فإن ، فضل عليه أخذ منه ; قال : لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقامهم .

قال إسماعيل القاضي : قد ذكر غير واحد في الأحاديث المسندة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جزأهم ، فهذا يدل على القيمة ، ولو لم يذكر التجزئة في الحديث لعلم أن القيمة لا بد منها إذا كان الواجب في ذلك إخراج الثلث ، فإن استوى الرقيق كانوا على العدد ، وإن لم يستووا كانوا على القيمة على ما فسره ابن جريج ، وهو قول مالك .

حدثنا سعيد ، وعبد الوارث قالا : حدثنا قاسم قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا حماد ، عن أيوب [ ص: 421 ] وعن كثير بن شبطير - أن الحسن حدث به ، عن عمران بن حصين - وكان يراه ويقضي به .

وحدثنا سعيد ، وعبد الوارث قالا : حدثنا قاسم قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا حماد ، عن أيوب ، عن يحيى قال : ذهب بعض الناس إلى أن يراجع محمدا فيه ، فقال : لو لم يبلغني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لكان رأيي .

قال أبو عمر : اختلف العلماء في الرجل يعتق عند موته عبيدا له في مرضه ، ولا مال له غيرهم ، أو يوصي بعتقهم كلهم ، ولا مال له غيرهم ، فقال مالك ، والشافعي ، وأصحابهما بهذا الأثر الصحيح وذهبوا إليه ، وهو قول أحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وداود ، والطبري وجماعة من أهل الرأي والأثر .

ذكر ابن عبد الحكم قال : من أعتق عبيدا له عند الموت ليس له مال غيرهم قسموا ثلاثا ، ثم يسهم بينهم ، فيعتق ثلثهم بالسهم ، ويرق ما بقي ، وإن كان فيهم فضل رد السهم عليهم ، فأعتق الفضل - وسواء ترك مالا غيرهم أو لم يترك قال : ومن أعتق رقيقا له عند الموت - وعليه دين يحيط بنصفهم ، فإن استطاع أن يعتق من كل واحد نصفه ، فعل ذلك بهم .

[ ص: 422 ] قال : ومن قال : ثلث رقيقي حر أسهم بينهم ، وإن أعتقهم كلهم أسهم بينهم إذا لم يكن له مال غيرهم ، وإن قال : ثلث كل رأس حر أو نصفه لم يسهم بينهم .

وقال ابن القاسم : كل من أوصى بعتق عبيده أو بت عتقهم في مرضه - ولم يدع غيرهم ، فإنه يعتق بالسهم ثلثهم ، وكذلك لو ترك مالا - والثلث لا يسعهم ، لعتق مبلغ الثلث منهم بالسهم ، وكذلك لو أعتق منهم جزءا سماه أو عددا سماه ، وكذلك لو قال : رأس منهم حر ، فبالسهم يعتق منهم من يعتق إن كانوا خمسة فخمسهم ، أو ستة فسدسهم ، خرج لذلك أقل من واحد أو أكثر ، ولو قال عشرة ، وهم ستون عتق سدسهم ، أخرج السهم أكثر من عشرة أو أقل ، وهذا كله مذهب مالك .

قال أبو عمر : لم يختلف مالك وأصحابه في الذي يوصي بعتق عبيده في مرضه ، ولا مال له غيرهم ، أنه يقرع بينهم ، فيعتق ثلثهم بالسهم ، وكذلك لم يختلف قول مالك وجمهور أصحابه أن هذا حكم الذي يعتق عبيده في مرضه عتقا بتلا - ولا مال له غيرهم .

وقال أشهب ، وأصبغ : إنما القرعة في الوصية ، وأما في البتل ، فهم كالمدبرين .

قال أبو عمر : حكم المدبرين عندهم إذا دبرهم سيدهم في كلمة واحدة ; أنه لا يبدأ بعضهم على بعض ، ولا يقرع بينهم ، ويفض الثلث على جميعهم [ ص: 423 ] بالقيمة ، فيعتق من كل واحد حصته من الثلث ، وإن لم يدع مالا غيرهم عتق ثلث كل واحد ، وإن دبر في مرضه واحدا بعد واحد بدأ الأول فالأول ، كما لو دبرهم في الصحة أو في مرض ثم صح .

قال أبو عمر : قول أشهب وأصبغ هذا خلاف السنة ، ولأن الحديث إنما ورد في رجل أعتق في مرضه ستة مملوكين لا مال له غيرهم ، وهو أيضا مخالف لقول أهل الحجاز ، ومخالف لقول أهل العراق .

وذكر ابن حبيب ، عن ابن القاسم ، وابن كنانة ، وابن الماجشون ، ومطرف قالوا : إذا أعتق الرجل في مرضه عبيدا له عتقا بتلا ، أو أوصى لهم بالعتاقة كلهم أو بعضهم ، سماهم أو لم يسمهم ، إلا أن الثلث لا يحملهم ، أن السهم يجزئ فيهم كان له مال سواهم أو لم يكن .

قال ابن حبيب : وقال ابن نافع : إن كان له مال سواهم لم يسهم بينهم ، وأعتق من كل واحد ما ينوبه ، وإن لم يكن له مال سواهم أو كان له مال تافه ، فإنه يقرع بينهم .

وقال الشافعي : وإذا أعتق الرجل في مرضه عبيدا له عتق بتات ، انتظر بهم ، فإن صح عتقوا من رأس ماله ، وإن مات ولا مال له غيرهم أقرع بينهم ، فأعتق ثلثهم ، قال الشافعي : والحجة في أن العتق البتات في المرض وصية : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقرع بين ستة مملوكين [ ص: 424 ] أعتقهم الرجل في مرضه ، وأنزل عتقهم وصية ، فأعتق ثلثهم قال : ولو أعتق في مرضه عبيدا له عتق بتات - وله مدبرون وعبيد أوصى بعتقهم بعد موته بدئ بالذين بت عتقهم ; لأنهم يعتقون عليه إن صح ، وليس له الرجوع فيهم بحال قال الشافعي : والقرعة أن تكتب رقاع ، ثم تكتب أسماء العبيد ، ثم تبندق بنادق من طين ، ويجعل في كل رقعة بندقة ، ويجزأ الرقيق أثلاثا ، ثم يؤمر رجل لم يحضر الرقاع فيخرج رقعة على كل جزء بعينه ، وإن لم يستووا في القيمة عدلوا - وهم قليل الثمن إلى كثير الثمن ، وجعلوا ثلاثة أجزاء قلوا أو كثروا ، إلا أن يكونوا عبدين ، فإن وقع العتق على جزء فيه عدة رقيق أقل من الثلث ، أعيدت القرعة بين السهمين الباقيين ، فأيهم وقع عليه ، عتق منه باقي الثلث ، وقول أحمد بن حنبل في هذا كله كقول الشافعي .

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه فيمن أعتق عبيدا له في مرضه ، ولا مال له غيرهم : إنه يعتق من كل واحد منهم ثلثه ، ويسعى في ثلثي قيمته الورثة .

قال أبو حنيفة : وحكمه ما دام يسعى حكم المكاتب .

وقال أبو يوسف ومحمد : هم أحرار ، وثلثا قيمتهم دين عليهم يسعون في ذلك حتى يؤدوه إلى الورثة .

قال أبو عمر : وإنما حمل الكوفيين على ذلك أصلهم في أخبار الآحاد ; لأنهم لا يقبلون منها ما عارضه شيء من معاني السنن المجتمع عليها ، وقالوا : [ ص: 425 ] من السنة المتفق عليها فيمن بتل عتق عبيده في مرضه - وله مال يحملهم ثلثه أنهم يعتقون كلهم ، والقياس على هذا - إذا لم يكن له مال غيرهم - : أن يعتق من كل واحد ثلث ، فليس منهم أحد أولى من صاحبه .

قال أبو عمر : رد الكوفيون هذه السنة ، ولم يقولوا بها - ورأوا القرعة في ذلك من القمار الخطر ، حتى لقد حكى مؤمل بن إسماعيل ، عن حماد بن زيد ، عن محمد بن ذكوان أنه سمع حماد بن أبي سليمان ، فذكر له الحديث الذي جاء في القرعة بين الأعبد ، فقال : هذا قول الشيخ - يعني إبليس ، فقال له محمد بن ذكوان : وضع القلم عن ثلاثة أحدهم المجنون حتى يفيق أي : إنك مجنون ، وكان حماد يصرع في بعض الأوقات ، ثم يفيق ، فقال له حماد : ما دعاك إلى هذا ؟ فقال له محمد بن ذكوان : وأنت ما دعاك إلى هذا ؟ .

( قال أبو عمر : في قول الكوفيين في هذا الباب ضروب من الخطأ والاضطراب مع خلاف السنة في ذلك ، وقد رد عليهم في ذلك جماعة من المالكيين ، والشافعيين ، وغيرهم منهم إسماعيل وغيره .

وحكمهم بالسعاية فيه ظلم ; لأنهم أحالوهم على سعاية لا يدرى ما يحصل منها ؟ وظلم للورثة ; إذ أجازوا عليهم في الثلث عتق الجميع بما لا يدرى أيضا أيحصل أم لا ؟ ، وظلم للعبيد ; لأنهم ألزموا مالا جناية ، وبين [ ص: 426 ] الشافعي ، ومالك في هذا الباب من فروعه تنازعا ليس هذا موضع ذكره لتشعب القول فيه .

قال أبو عمر : أما القول في هذا الباب بالقرعة ، فقد احتج فيه الشافعي ، وغيره بقول الله - عز وجل - ( وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ) الآية ، وبقوله - عز وجل - ( وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين ) ، وكفى بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذي أعتق ستة مملوكين له عند موته لا مال له غيرهم ، فأقرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم ، فأعتق ثلثهم .

وبأنه كان يقرع بين نسائه أيتهن يخرج بها إذا أراد سفرا لاستوائهم في الحق لهن .

وبإجماع العلماء على أن دورا لو كانت بين قوم قسمت بينهم ، وأقرع بينهم في ذلك ، وهذا طريق الشركة في الأملاك التي تقع فيها القسمة بالقرعة على قدر القيمة ; لأن حق المريض الثلث ، وحق الورثة الثلثان ، فصار بمنزلة شريكين لأحدهما سهم ، كما لو أن الميت وهب العبيد كلهم لقوم ثم مات ، لقسموا بين القوم وبين الورثة بالقرعة هكذا ، وإنما نفر [ ص: 427 ] أبو حنيفة ، ومن قال بقوله من هذا القول ; لأنهم جعلوا هذا بمنزلة من أعتق ثلث كل عبد من عبيده ، فلم يجز أن يعتق بالقرعة بعضهم ، فغلطوا هاهنا في التشبيه ، والله المستعان .

أخبرنا فائق مولى أحمد بن سعيد عنه ، عن عبد الملك بن بحر بن شاذان ، عن محمد بن إسماعيل الصائغ ، عن الحسن بن علي الحلواني قال : حدثنا عفان بن مسلم قال أخبرنا سليم قال : حدثنا ابن عون قال : قال لي محمد : جاءني خالد ، فقال : أرأيت الذين قالوا إنه أقرع بينهم ، فقلت له : إن نقصا برأيك أن ترى أن رأيك أفضل من رأي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، ولولا أنه كان في غير بيتي لأسمعته غير ذلك .

قال أبو عمر : في هذا الحديث - أيضا - من الفقه إبطال السعاية ، ورد لقول العراقيين في ذلك ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل على أولئك العبيد سعاية .

وفيه دليل على أن أفعال المريض كلها من عتق وهبة ، وعطية ، ووصية لا يجوز منها أكثر من الثلث ، وأن ما بتله في مرضه حكمه حكم الوصية ، وعلى ذلك جماعة فقهاء الأمصار ، وخالفهم في ذلك أهل الظاهر وطائفة من أهل النظر ، والحجة عليهم بينة بهذا الحديث .

[ ص: 428 ] وفيه - أيضا - دليل على أن الوصية جائزة لغير الوالدين والأقربين ; لأن العبيد عتقهم في المرض وصية لهم ، ومعلوم أنهم لم يكونوا بوالدين لمالكهم المعتق لهم ، ولا بأقربين له .

وقد مضى ذكر الوصايا ممهدا في باب نافع من هذا الكتاب ، والحمد لله .




الخدمات العلمية