الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1803 مالك ، عن نافع ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة أنها أخبرته أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير ، فلما رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام على الباب ، فلم يدخل فعرفت في وجهه الكراهية ، فقالت : يا رسول الله ، أتوب إلى الله ، ماذا أذنبت ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما بال هذه النمرقة ؟ قالت : اشتريتها ; لتقعد عليها ، وتوسدها ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن أصحاب [ ص: 51 ] هذه الصور يوم القيامة يعذبون ، يقال لهم : أحيوا ما خلقتم وقال - صلى الله عليه وسلم - : إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة .

التالي السابق


قال أبو عمر : النمرقة : الوسادة ، وقال الخليل : والنمروق : الوسادة أيضا ، وهذا الحديث يقتضي تحريم استعمال ما فيه التصاوير ، من الثياب وأمثالها ، والاستمتاع بها في ثوب كانت أو غير ثوب ، كان الثوب مما يوطأ أو لم يكن ; لأن النمرقة مما توطأ وتمتهن ، وقد ورد فيها ما رأيت في هذا الباب ، ولم يخص بيتا فيه نوع التصاوير من نوع ما ، ولا في موضع ما ، ولا خص ثوبا من ثوب ، وحكم كل ثوب حكم النمرقة ، وليس في شيء من أحاديث هذا الباب أحسن إسنادا من هذا الحديث ، وقد رواه الزهري ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة مثله سواء ، إلا أنه جعل في موضع النمرقة قراما ، والقرام : جمع قرامة ، قال الخليل : القرامة : ثوب صوف ملون ، والمعنى في ذلك كله واحد ; لأنها كلها ثياب تمتهن ، ولم يرخص في شيء منها في هذا الحديث ، وإن كانت الرخصة قد وردت في غيره في هذا المعنى ، فإن ذلك متعارض .

[ ص: 52 ] وحديث عائشة هذا من أصح ما يروى في هذا الباب ، إلا أن عبيد الله بن عمر روى هذا الحديث ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة ، فخالف في معناه ، وذكر فيه الرخصة فيما يرتفق ويتوسد ، وقد مضى في الصور وكراهيتها في الثياب وغيرها ذكر في باب إسحاق بن أبي طلحة من كتابنا هذا ، وسيأتي القول في هذا الباب بما للعلماء فيه من الوجوه والمذاهب في باب أبي النضر من كتابنا هذا ممهدا موعبا ، إن شاء الله .

حدثنا قاسم بن محمد ، قال : حدثنا خالد بن سعد ، قال : حدثنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا بحر بن نصر ، قال : حدثنا بشر بن بكر .

وحدثنا محمد بن عبد الله ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا إسحاق بن أبي حسان ، قال : حدثنا هشام بن عمار ، قال : حدثنا عبد الحميد بن حبيب ، قالا : حدثنا الأوزاعي ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني القاسم بن محمد ، عن عائشة ، قالت : دخل علي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا مستترة بقرام فيه صور ، فهتكه وقال : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله .

وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى ، وأحمد بن فتح ، قالا : حدثنا حمزة بن محمد ، قال : أخبرنا محمد بن سعيد بن عثمان بن عبد [ ص: 53 ] السلام السراج ، قال : حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح ، قال : حدثني إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة ، قالت : دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا مستترة بقرام فيه صور ، فتلون وجهه ، وتناول الستر فهتكه ، ثم قال : إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله .

ورواه ابن عيينة ، عن ابن شهاب بإسناده مثله ، ففي هذا الحديث دليل على أن القرام ستر ، ويحتمل أنه إذ هتكه وخرقه فقد أبطل الانتفاع به ، ويحتمل أن يكون أباح الانتفاع منه بما كان يوطأ ويمتهن ، وكره ما ينصب نصبا ، كالستر وشبهه ; ولهذا - والله أعلم - قال من قال من العلماء : ما قطع رأسه فليس بصورة ، وما لم ينصب ويبسط فليس به بأس .

ويدل حديث عبيد الله بن عمر على نحو ما ذكرنا من الاحتمال ، حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى ، قال : حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، قال : حدثنا بشر بن الوليد ، قال : حدثنا عبد العزيز بن عبد بن أبي سلمة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة ، قالت : دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي البيت ستر منصوب عليه تصاوير ، فعرف الغضب في وجهه ، قالت : فهتكته ، وأخذته فجعلته مرفقتين ، فكان يرتفق بهما في [ ص: 54 ] بيته 0 فرواية عبيد الله بن عمر هذه ، عن القاسم مخالفة لرواية الزهري ، ونافع ، عن القاسم ، وعبيد الله ثقة حافظ ، وسماعه من القاسم ومن سالم صحيح ، والزهري ، ونافع أجل منه ، والله أعلم بالصحيح من ذلك ، ومن جهة النظر ، لا يجب أن يقع المنع والحظر إلا بدليل لا منازع له ، وحديث سهل بن حنيف ، مع أبي طلحة الأنصاري يعضد ما رواه عبيد الله بن عمر في ذلك ، وسيأتي ذكر حديث سهل بن حنيف ، وأبي طلحة في باب أبي النضر من كتابنا هذا في حرف السين ، وقد مضى ما للفقهاء في هذا الباب من المذاهب في باب إسحاق بن أبي طلحة ، ويأتي في باب أبي النضر سالم ما فيه أيضا عن التابعين ، إن شاء الله عز وجل .




الخدمات العلمية